رسالتان في نوروز .. إلى أمي وأمتي

الدكتور علاء الدين جنكو

بكل خجل أحمل القلم أمامكما منحنياً إجلالاً واحتراماً لمقامكما السامي ، كيف لا ؟ وأنتما تملآن حياتي حباً وأملاً .
أنتما معاً أنجبتماني إلى هذه الدنيا لأرسم صورة المأساة التي عشتها النصف الأول من حياتي إن قدر لي العيش مثل ما مضى من عمري .
أمي وأمتي : أكتب وأنا المحروم منكما بقربي مع وجود أطيافكما في قلبي وفكري وأمام ناظري .

اسمحا لي أن أرسل لكما رسالتان أسطرهما بمرارة بعدي عنكما ، وأملي الذي لا ينقطع في اللقاء بكما .
أمي :
أنحني بكل كياني تحت قدميك لعلي أشم رائحة الجنة التي أصبو إليها في آخرتي ، أرسل إليك من بين ذرات رمال الصحراء المحرقة همساتي المنسوجة بخيوط الشوق إليك ، وأنت أحق الناس بحسن الصحابة كما علمنا رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم .
أكتب بمداد البحر المالح كلماتي العذبة ولعله لا يكفيني حتى لو كنت عاجزاً عن البوح بما في أشجاني وأعماقي .
أتذكر وأحاول أن أفسِّر تصرف ذاك المسيء الذي جنى عليك وعلى كل أم في الدنيا عندما خصص لك يوماً بأنه عيدك ؟!!
أنت يا أمي العيد الذي لا ينتهي ، لأنك مصدر وجودي بكل معانيها ، فاليوم الذي أعفل عنك ، هو ذاك الذي تضطرب فيه نبضات قلبي لأصبح ولداً عاقاً يحتاج إلى يوم واحد على مدار السنة يتذكرك فيه !!
أمي : اصفحي عني وتجاوزي عن هفواتي وتأكدي أن سعادة لحظاتي مرهونة برضاك عني .

كيف لا ؟ والله في ملكوته الأعلى يقارن رضاك بعبادته إذ يقول : ( وقضى ربك ..
أمي : لا تلومي إبنك الكردي الذي لعب به الزمان حتى اغتر ببضاعة الآخرين ظانا أنه سكون بدونك رجلاً معاصراً يحاكي التقدم ويصنع المعجزات !!
ولم أكن أدري أن نتيجة ذلك حبس قطرة الماء من السماء عني ، وإبعادي إلى ملاجئ الآخرين ، الذين آخر ما يفكرون فيه هو إرضاء أمهاتهم !!
أمتي :
ألف ألف تحية محفوفة بمشاعر الفخر والاعتزاز بالانتساب إليك أرسلها عبر نفحات نوروز الحرية وعبق روائحها الفواحة .
أمتي … يا شجرة معطاءة محاطة بأشواك لاذعة نالت منك منذ آماد بعيدة !!
أمتي … يا عروسة إغتالوها في يوم زفافها وهي ترتدي الأبيض والكل حولها يصفقون ويمرحون !!
أمتي … تخاذل عنك الإخوة في الدين ، والأصدقاء في الإنسانية وأهل الجوار في الجيرة !!
أمتي … بقيت حاملة الدمعة على خدك على الرغم من ابتسامة كل شعوب الدنيا في جنانها .
أمتي … أشعر بالأسى وأنت تنظرين إلى أبنائك والفرقة تقطع أوصالهم ، والاختلاف ينال من عذرية اتحادهم .
علمت منذ طفولتي أن حبك عبادة ، وذقت منذ أن كنت أعيش مع الطيور حلاوة الانتساب إليك ، رباني أبي وأمي على احترامك ، وأن أكشف عنك غبار التشويه أينما حليت وارتحلت .
أمتي … هل لك أن ترسلي لأبنائك في يومك الأغر – نوروز الحرية – تستصرخيهم البعد عن الأنانية وحمل الأحقاد وتصفية القلوب والأذهان ؟!
أخبريهم أن يتذكروا كل قطرة من الدماء التي أريقت من أجلك ، ويتصوروا حجم المأساة التي ذقتيها وتحملت بكل صبر ذلك من أجل الحفاظ على هويتهم وكيانهم .
علميهم أن الكردي الحقيقي من أراد الخير لأخيه دون النظر إلى مصلحته الشخصية ، وأن الكردي بمعناه القومي : هو من يضيف مجداً إلى أمجادك .
أخبريهم أن لا يتخلوا عن قيمك ومبادئك وألوانك ورائحتك عندما يتمتعون بخيرات الآخرين !!
قولي لهم : أنك ما زلت على أمل في العودة إليهم جميعاً عندما تتحد الكلمة ، ونبط القلب ، ونظرة العين ، وابتسامات الشفاه .
أمتي :
أعذريني وأنا أحد أبناؤك على التقصير في أداء واجبنا تجاهك ، ولكني أعدك أن أبقى مخلصاً لك ، أنحت صورتك على كل حجر ، وأحاكي البحار قصة وجودك ، وأناشد الطيور لتحمل كل ذلك إلى أمم الدنيا ، وأن يعلم كل من في الأرض أنني من أمة سطرت بعظام الجماجم حقيقة وجودها وأن يقرأ الجميع رائعة الجواهري حين يقول :

شعب دعائمه الجماجم والدم           تتحطم الدنيا ولا يتحطم

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…