شعبنا يستحق المساواة والإنصاف بدلاً من القمع والإجحـاف

  افتتاحية جريدة الوحدة (YEKÎTÎ) *
 
  رغم أن القمع ومصادرة الحريات لم يتوقفا يوماً في إطار احتكار الحزب الواحد للسلطة فإنهما اتخذا مؤخراً أشكالاً أكثر حدة، واتسع نطاقهما ليشملا مختلف حالات الحراك الديمقراطي والنشاط السياسي والثقافي، مما يوحي ببروز مستجدات طرأت على السياسة المنتهجة ضد أصحاب الرأي الآخر وحرية التعبير.

  ورغم أن الجانب الكردي أكثر تأثراً بالحملة الأمنية المتشددة التي بدأت منذ بداية آذار الماضي لأسباب سوف نعود لها، فإن البلاد بكاملها تخضع لوضع استثنائي، بات فيه الجميع يخضع لمراقبة صارمة، وباتت الاعتقالات والمحاكم الشكلية تشكل إحدى سمات هذه المرحلة، مما يثير مع الاستنكار الشعبي الواسع، مزيداً من التساؤلات حول طبيعة وماهية تلك المستجدات، وما ترتبت عليها من إطلاق هذه الحملة الظالمة .

  وبالعودة إلى خصوصية الجانب الكردي في هذه الحملة، فإنها تعتبر بالنهاية امتداداً متصاعداً لمخطط شوفيني بدأ في آذار 2004 ، ولم ينته بعد، لأنه لم يحقق أهدافه حتى الآن، ففي ذلك الوقت، وقبل خمس سنوات، حصلت تطورات في الجوار الإقليمي تمثلت في سقوط نظام صدام حسين الدكتاتوري وإقرار النظام الفيدرالي، مثلما حصلت تطورات في الداخل السوري، حيث نشط الحراك الديمقراطي..

وفي الحالتين كان للكرد دور ونصيب وتصاعدت آمالهم

في التغيير الديمقراطي، الذي يضمن إنصافهم وإيجاد حل عادل لقضيتهم فكانت تلك الآمال هدفاً للطعن، وتواصلت عمليات القمع والتضييق على الدور الوطني الكردي، بعد أحداث آذار الدامية التي أبرزت للرأي العام وجود قضية بحاجة لحل، وشعب بحاجة لاعتراف رسمي، وحقوق لابد من تأمينها، وانتهزت السلطة أية فرصة لاستباحة المجتمع الكردي ككل من جانب السياسة الشوفينية والقوانين والمشاريع العنصرية، وتمكنت من إيهام فئات من المكونات الأخرى بما تسميه بالخطر الكردي المزعوم، مستغلة في ذلك بعض الشعارات الغريبة على الثقافة الوطنية الكردية، والبعيدة عن البرامج المقررة للحركة الكردية السورية، لتبرير مواصلة سياستها القمعية والتنكر للحق والوجود الكردي.
  وتحولت تلك السياسة في المناطق الكردية إلى شواهد تبرز عجز السلطة عن إيجاد الحلول المناسبة لقضايا البلاد الأساسية، بما فيها القضية الكردية، وترجم هذا الشعور الى تحرك وطني انبثق عنه فيما بعد إعلان دمشق الذي استغلت السلطة انعقاد مجلسه الوطني للقيام بحملة اعتقالات واسعة طالت رموزه الأساسية، وتركت الأكراد منهم لجولة أخرى، بهدف زرع الشكوك وتفكيك الصفوف..

والآن ورغم عدم كفاية المبررات السابقة لإطلاق حملة أمنية طالت، في الأشهر الأخيرة، الشأن الكردي عموماً، سواءً كانت ما تتعلق باستهداف الإرادة النضالية الكردية، ومنعها من الاهتمام والمشاركة في الشأن الوطني العام، أو ما تتعلق بالتوجه الكردي العام نحو المعارضة، بسبب انسداد فرص الحوار نتيجة عجز السلطة عن القيام بالإصلاح السياسي المطلوب، فإن مستجدات أخرى تدخل على خط التصعيد الأمني، تتعلق بالتطورات الجارية، أو المنتظرة إقليمياً، وبمحاولات إعادة رسم العلاقات بين دول المنطقة، وبإجراء التعديلات على محاورها واصطفافاتها، وفق الإستراتيجية الأمريكية الجديدة.
  وعلى ضوء تلك المستجدات، وما تتعلق منها بالجانب السوري، وانعكاس أو ارتباط أي تطور إقليمي على الترتيبات الداخلية، فإن العلاقات السورية شهدت تطورات ملحوظة مع أكثر من جهة إقليمية أو دولية، ومنها الحكومة العراقية التي زارها رئيس الوزراء السوري لتوقيع اتفاقات أمنية واقتصادية هامة، اعتبرت، بشهادة المراقبين نقلة نوعية سوف تكون لها انعكاسات وتبعات سياسية وأمنية، شأنها في ذلك شأن المصالحة مع السعودية، كما تستعد السلطة لاستئناف المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل، وهو ما عبر عنه مسؤولوها أثناء وبعد زيارة الرئيس التركي لدمشق..

ورغم أن طبيعة الحكومة اليمينية في إسرائيل برئاسة نتنياهو توحي بعكس ذلك، إلا أن محاولة هذه الحكومة التهرب من الاستحقاق الفلسطيني، ومن مشروع الدولتين، ومن الضغوط الدولية، والأمريكية منها بشكل خاص، إضافة إلى انتفاء دور الجولان وأهميته عسكرياً، تجعل إمكانية استئناف المفاوضات بوساطة تركية أمراً ممكناً، مما يستدعي الاستعداد لتقوية الموقع التفاوضي للطرفين.

فإذا أضفنا لما تقدم انفتاح أقنية الاتصال مع الاتحاد الأوربي، وقرار إدارة أوباما بإجراء الحوار مع سوريا بانتظار نتائج الانتخابات اللبنانية والإيرانية في حزيران الجاري، فإن تشديد القبضة الأمنية قد يأتي في سياق ما تعتبره السلطة من التحضير وتقوية المواقع في حال استئناف المفاوضات السورية الإسرائيلية، أو الحوار الأمريكي السوري، كما تأتي في إطار الاستعداد لمواجهة أية ردود أفعال داخلية يمكن أن تترتب في الحالتين.

لكنها، أي السلطة، تنسى أن أية مفاوضات او حوارات، بهذه الدرجة من الأهمية، يفترض بها أن تستمد قوتها من وحدة الصف الوطني، ومن توحيد واستثمار كل الطاقات الوطنية من خلال إطلاق الحريات الديمقراطية… وبهذه المناسبة فإن السلطة ترتكب أخطاءً مكررة إذا اعتقدت أن التشديد الأمني بحق النشطاء وأصحاب الرأي وكوادر المعارضة الوطنية، سوف يوفر لها القوة المطلوبة، كما تخطيء مرة أخرى إذا تصورت بأن حرمان مواطن كردي من جنسيته، أو إبعاد موظف عن منطقة عمله، واعتقال مهتم بتعليم اللغة الكردية، أو كادر من هذا الحزب أو ذاك، سوف يعيق نضال شعبنا ويلغي دوره وحقه كشريك وطني، بل أن من شأن هذا وذاك إنعاش الفكر الانعزالي وتعميق الشعور بالاغتراب لدى الإنسان الكردي، ودفعه نحو التطرف والسلبية، ووضع العراقيل أمام الحركة الكردية التي تناضل أطرافها من أجل توثيق الاعتراف الدستوري بالوجود الكردي كقومية، وتمكين الشعب الكردي من التمتع بحقوقه في إطار وحدة سوريا التي تعني بالنسبة للكرد وطناً دافعوا عنه وضحوا من أجله ويملؤهم الشعور بالفخر لكونهم سوريين بقدر ما هم أكراد، وأن أي تفسير آخر لهذه العلاقة ، لا تعني سوى دق الأسفين بين أبناء الوطن الواحد، وخلق الذرائع المطلوبة لتسهيل مهمة التشكيك بالولاء الوطني الكردي، واستعداء المكونات الأخرى، وبالتالي استباحة المجتمع الكردي من قبل السياسة الشوفينية..
  كما تناضل هذه الحركة لإيجاد مرجعية كردية وفق برنامج موضوعي، تربط أواصر الثقة المتبادلة بين أطرافها، بعيداً عن المهاترات ونزعات التشكيك والتخوين، التي لم يستفد منها أصحابها، بل أنها تغذي مشاعر اليأس والإحباط، التي بدأت تتسرب للمجتمع الكردي الذي يرى في توحيد الصف الوطني الكردي رداً فعالاً على هذه الهجمة الشوفينية، كما يرى ضرورة التواصل مع المكونات الأخرى من خلال فعالياتها وحركتها السياسية وإطاراتها الوطنية، وفي مقدمتها إعلان دمشق للتغير الديمقراطي، الذي آن له أن يستعيد نشاطه ومبادراته، كما آن للسلطة أن تحتكم للمصلحة الوطنية التي لا تكمن في احتكار حزب واحد لقيادة الدولة والمجتمع، والشطب على الآخرين بهذه الطريقة المخالفة للتطور المنشود، ومنهم الكرد السوريون الذين ينتظرون الإنصاف، ووضع نهاية سعيدة لمعاناتهم من الظلم الذي طال كثيراً، لكي يحتلوا مكانهم اللائق بهم كشركاء بعيداً عن التهديد المزمن بالاعتقال، والتجريد من الجنسية، والحرمان من الأرض وإغلاق فرص العمل والتوظيف، وغيرها من الممارسات والتطبيقات العنصرية التي عفى عليها الزمن، والتي لم تعد تليق بسوريا التي يجب أن تكون لكل مواطنيها.

* الجريدة المركزية لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)– العدد(190) أيار– 9 200م- 2621ك  

لقراءة مواد العدد انقر هنا

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…