خيمة للحوار الوطني… لا خيمة للحرب

د . عبدالحكيم بشار
ما يجري في محافظة الحسكة لا ينبغي التعامل معه بسطحية أو اختزاله في تفاصيل آنية، لأن تداعياته تتجاوز حدود المكان والزمان، وتمس جوهر الوحدة الوطنية والسلم الأهلي. فحتى إن لم يحقق التصعيد أهدافه المباشرة، فإنه يخلّف آثارًا لا تقل خطورة عن الحرب نفسها، تتمثل في تعميق الانقسام داخل المجتمع السوري، وزيادة الاحتقان بين مكوناته.
قد لا يكون استحضار الماضي في كل محطة أمرًا صائبًا، إلا إذا كان الهدف فهم جذور الأزمات واستخلاص الدروس التي تساعد على معالجتها، لا إعادة إنتاجها أو استثمارها في تأجيج الخلافات.
اليوم يقف السوريون أمام خيارين واضحين: إما الانزلاق نحو مزيد من التوتر والانقسام، بما يوفر بيئة خصبة لعدم الاستقرار، وهو ما يعمل عليه أعداء سوريا بكل الوسائل، وإما تغليب لغة العقل والحوار، والانطلاق نحو مصالحة وطنية شاملة تكرس الأمن والاستقرار، وتؤسس لمستقبل يضمن الحقوق المتساوية لجميع السوريين، على اختلاف مكوناتهم وانتماءاتهم.
إن جراح الماضي وآلامه لا يمكن إنكارها أو تجاوزها، لكنها في الوقت نفسه لا ينبغي أن تتحول إلى سبب دائم لتجديد الصراعات. فالطريق إلى التعافي يمر عبر الحكمة، والتروي، والاحتكام إلى مؤسسات الدولة، بما يحقق العدالة، ويحفظ السلم الأهلي، ويعزز الثقة بين أبناء الوطن.
إن سوريا اليوم أحوج ما تكون إلى خيمة تجمع أبناءها حول الحوار، لا إلى خنادق تعمق الانقسام. فبالحوار تُبنى الأوطان، وبالتوافق تُصان وحدتها، أما الصدام فلا يورث إلا مزيدًا من الألم، ويمنح المتربصين بالوطن فرصة لتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه بوسائل أخرى

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…