مقالات

سوريا الجديدة.. الحقوق الثابتة أساس الشراكة الوطنية

عمر رمضان
نحن اليوم أمام مرحلة تاريخية تستوجب منا استثمار كل الإمكانات والطاقات المتاحة، والتعامل مع التحولات الراهنة بوعي ومسؤولية، بعيداً عن التشاؤم المفرط أو التشكيك المسبق، وبما يتيح البناء على الخطوات الإيجابية التي تحققت، دون أن يعني ذلك التغاضي عن أوجه القصور أو التراجع عن المطالب المشروعة.
لقد وفرت الحكومة الانتقالية المؤقتة أرضية يمكن الانطلاق منها نحو بناء دولة سورية جديدة، تتسع لجميع أبنائها وتضمن حقوقهم دون تمييز. ومن واجبنا التعامل مع هذه الفرصة بإيجابية، بعيداً عن الحسابات الضيقة والأجندات الخاصة التي قد تسعى إلى تقويض الثقة بين السوريين وإعادة إنتاج الانقسامات التي عانى منها بلدنا طويلاً.
وفي المقابل، فإن مسؤولية الحكومة تقتضي مواصلة العمل على تعزيز الحقوق والحريات، وتوسيع المشاركة السياسية، وترجمة التوجهات الإيجابية إلى ضمانات دستورية وقانونية واضحة. فحقوق الشعب الكردي، وحقوق سائر المكونات السورية، ليست منحة من سلطة أو حكومة، بل هي حقوق أصيلة ينبغي تثبيتها وحمايتها، بما يضمن عدم إخضاعها للتجاذبات السياسية أو التراجع عنها تحت ضغط الأزمات.
إن الشراكة الوطنية الحقيقية لا تتحقق بالتمثيل الشكلي أو بالوعود، وإنما بالاعتراف المتبادل والحقوق المتساوية والمشاركة الفعلية في بناء الدولة ومؤسساتها. كما أن احترام الخصوصية القومية والثقافية واللغوية للمكونات السورية لا يتعارض مع وحدة البلاد، بل يعززها، حين يشعر الجميع بأنهم شركاء متساوون في الوطن، وأن مستقبلهم وحقوقهم مصانة في إطار دولة القانون والمواطنة.
ومن هنا، فإن ترسيخ هذه الحقوق دستورياً يجب أن يُنظر إليه باعتباره استثماراً في استقرار سوريا ووحدتها، لا استجابة ظرفية لمطالب فئة أو مكوّن. فالوحدة الوطنية لا تُفرض بإنكار الاختلاف، وإنما تُبنى على احترامه وإدارته بروح الشراكة والمساواة.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن بناء مستقبل مستقر دون مواجهة خطاب الكراهية والتحريض والتمييز، من خلال تشريعات واضحة وتطبيق عادل للقانون على الجميع، بما يحمي السلم الأهلي ويمنع استغلال الاختلافات القومية أو الدينية أو الثقافية لإثارة الفتن وزعزعة الثقة بين أبناء المجتمع.
إن المرحلة الراهنة تتطلب منا التمسك بالإيجابيات وتطويرها، وممارسة النقد بمسؤولية، والإصرار على تحويل الوعود إلى خطوات ملموسة. فالمطلوب ليس الاكتفاء بما تحقق، ولا التقليل من أهميته، بل البناء عليه للوصول إلى دولة يشعر فيها كل سوري بأنه مواطن كامل الحقوق، وشريك حقيقي في تقرير مستقبل بلاده.
إن سوريا الجديدة التي ننشدها لا تُبنى بالشعارات، بل بعقد وطني يضمن الحقوق، ويكرّس المساواة، ويحترم التنوع، ويجعل الشراكة أساساً لوحدة البلاد. فحين تصبح حقوق جميع المكونات محمية بالدستور والقانون، تصبح الوحدة الوطنية خياراً راسخاً يستند إلى الثقة والانتماء المشترك، لا مجرد شعار تفرضه الظروف.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب