الكورد والغزو التركي لشمال سوريا

جان كورد 
 
 الكورد أمة تم تقسيم  وتجزئة وطنهم (كوردستان) من قبل الدولتين المتحاربتين، العثمانية والصفوية، ومن ثم تم تجزئتها بشكل فظيع بموجب اتفاقية سايكس – بيكو الاستعمارية في عام 1916م، بحيث أضطر الكورد إلى التأقلم السياسي مع الوضع الذي آل إليه حالهم، وبعد أن خرج المستعمرون البريطانيون والفرنسيون من المنطقة شرعت الدول التي تقتسم فيما بينها  وطن الكورد في محاولات واسعة ودائمة لإنكار وجود أي وطن لهذه الأمة، بل وانكار وجود لغة وقومية وحقوق لها، واستمرت الشرائح السياسية للمجتمعات التركية والفارسية والعربية في ترسيخ الأفكار الشوفينية والعنصرية حيال كل ما هو كوردي، مما دفع الكورد إلى الثورة المسلحة في الأجزاء الكبرى من كوردستان (شرقها وشمالها وجنوبها) 
إلا أنهم لم يخوضوا القتال المسلح من أجل تحرير أنفسهم في (غرب كوردستان) ولكنهم ناضلوا ببسالة نضالاً سياسياً عقوداً عديدة عن طريق أحزابهم الرافضة لاستخدام السلاح وجمعياتهم الثقافية  للدفاع عن وجودهم وللمطالبة بحقهم القومي المسلوب وسعوا لتوضيح ما لحق بهم من غبنٍ تاريخي ولإقامة أوثق العلاقات الودية مع فصائل حركة التحرر الوطني العربية ومع الأقليات القومية والدينية في البلدان التي تم تقسيمهم فيما بينها، فظهر اتجاه جديد في مسار الحركة القومية الكوردية يتسم بالنضال ضمن حدود هذه الدول، أي تجزئة نضال الأمة الكوردية من أجل الحرية والاستقلال، وبخاصة بعد توالي الانكسارات والهزائم وانتهاج النظم الحاكمة في هذه البلدان سياسات رهيبة ومدمرة في مواجهة الكفاح القومي  التحرري لهذه الأمة.
ظلت الجيوش والقوات العسكرية للدول التي تقتسم كوردستان من أخطر الأسلحة التي يتم استخدامها باستمرار لقمع النضال الكوردي إلى جانب الأجهزة الأمنية وإرهاب النظم الاستبدادية، ومنها الجيش التركي الذي له تاريخ دامي وأسود في تعامله مع شعبنا، ولذلك فإنك لن تجد كوردياً مؤمناً بعدالة كفاح أمته يرحب باستخدام هذا الجيش في داخل تركيا أو خارجها، وقد  رأينا  وسمعنا جيداً بأن هدف الحكومة التركية من التدخل العسكري تحت شعار (عملية درع الفرات) في شمال سوريا، ليس محاربة تنظيم الدولة (داعش) فقط، وإنما منع قيام أي كيان قومي للكورد بين سوريا وتركيا. بمعنى أن الغزو التركي يستهدف الكورد في سوريا مثلما استهدف المدن الكوردية مثل نصيبين وآمد (ديار بكر) وسواهما من قبل في هذا العام الحالي أيضاً. ويعلن المسؤولون الأتراك على أعلى المستويات بأنهم لن يسمحوا بإقامة “دولة مصطنعة” على حدود بلادهم، فهل هناك أوضح من هذا الكلام؟ بل من الكورد من يؤمن بأن تركيا التي وقفت بلا حراك وهي تحدق يومياً في أكبر جريمة ضد الإنسانية في سوريا لسنواتٍ عديدة، تغزو سوريا بسبب عزمها على تدمير الكورد  و ليس لتطهير المنطقة من داعش التي لم يأت أوروبي واحد للقتال في صفه إلا عن طريق تركيا.
لذا، لا يمكن أن يكون شعبنا مع الجيش الذي كان عبر التاريخ ولا يزال أهم قوة لقمع تطلعاتنا السياسية، على الرغم من الاتهامات المتتالية لأنصار السيد أوجلان لكل من يخالفهم الرأي بأنه عميل أردوغاني وخادم للجيش التركي، في حين أن هؤلاء الأنصار “الثوار” تركوا مدينة منبج التي حرروها من داعش بدماء الشباب الكوردي  وانسحبوا منها دون مقاومة، حتى قبل أن تصل الدبابات التركية إليها، وفي الوقت ذاته يرفضون الانسحاب من شنكال (سنجار)، وهم يعلمون جيداً أن الجيش الذي سيحل محلهم في منبج هو جيش تركي، والذي سيحل محلهم في شنكال هم بيشمركة كوردستان. 
طبعاً، هناك قوى كوردية سورية سياسية مرتبطة عضوياً بمسار ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية، وهي ملتزمة باتفاق المجلس الوطني الكوردي  مع (الإئتلاف) الذي ينص على منح الشعب الكوردي في سوريا المستقبل دستورياً حقوقه القومية والثقافية ضمن حدود الدولة السورية الحرة المستقلة، إلاّ أن مصطلح (الحقوق القومية) مطاطي وقابل لتفسيرات وتأويلات مختلفة، وفي المعارضة السورية “الديموقراطية والإسلامية” على حدٍ سواء من يطأطأ رأسه لكل محتل لبلاده ويمدحه ويمشي وراءه بشرط أن يكافح هذا الاحتلال أو الغزو طموح الشعب الكوردي في حريته واستعادة حقوقه القومية المتمثلة بحكم نفسه حكماً ذاتياً أو عن طريق أمثل وأفضل من خلال نظامٍ فيدرالي وطني سوري. ولكن ليس هناك حزب كوردي سياسي أو جمعية كوردية ثقافية تؤيد الغزو التركي لأنه يستهدف الوجود القومي الكوردي قبل استهداف المنظمات الإرهابية في سوريا. إلاّ أن معاناة الشعب الكوردي على أيدي أنصار حزب الاتحاد الديموقراطي وجهازه الأمني (الأسايش) الشبيه بشرطة النظم الشيوعية الرهيبة، منذ اندلاع الثورة السورية المجيدة وإلى يوم بدء الغزو التركي يطرح سؤالاً يصعب الإجابة عنه حقيقةً:
“هل على الأحزاب والجمعيات الكوردية السورية الانضمام لمقاومة الغزو التركي إلى جوقة هذا الحزب التابع لنظام الأسد الفاقد للشرعية والذي يضع مصلحة الفئة الحاكمة والطائفة على مصلحة كل الشعب السوري ودمر البلاد وأهلك العباد؟ أم على هذه الأحزاب حمل السلاح والالتحاق بالجيش السوري الحر والمنظمات السورية التي تدخل سوريا خلف دبابات الجيش الذي أحد أهدافه تدمير الطموح القومي الكوردي كلياً؟”
فمن يجيب عن سؤالنا وكيف ستكون هذه الإجابة، هذا لا أقدر عليه حقيقةً.
 ‏05‏ أيلول‏، 2016

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين الحديث عن مسؤولية «الكرد» عن ممارسات قوات سوريا الديمقراطية، وتحميلهم جماعياً نتائج سياسات وممارسات هذه القوة، هو خلط سياسي وأخلاقي لا يخدم الحقيقة ولا وحدة البلاد. أولاً: قسد لم تدّعِ يوماً أنها تمثّل الكرد السوريين ، ولم تكن مفوضة بالحديث باسمهم. بل إن مشروعها السياسي، منذ نشأته، قام على مفهوم «الأمة الديمقراطية»، وهو تصوّر عابر للهويات…

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…