هل دقَّقتم في ما يطلبه الآخرون من ترامب «المجنون» ؟

 ابراهيم محمود
رسائل الكترونية، وعلى وجه السرعة السرعة، تقاطرت إلى مكتب الرئيس الأميركي ترامب، بعد الإعلان عن فوزه بالرئاسة الأميركية القادمة ذات الحلقة ” 45 “، مباشرة، وحتى قبل الإعلان بلحظات كان في الغالب في صورة مجنون، مستهتر بقواعد الذوق العام وأسلوب الكلام، وتعابير الوجه…الخ، أوجزها بالشكل التالي: من إيران: لا بد على أميركا من مراعاة الاتفاقيات الدولية المبرمة. من تركيا: نحن على استعداد دائم للتعاون مع أميركا في حل مشاكل المنطقة. من سوريا: من جهة الإرهاب نحن مستعدون لدعم أميركا في محاربته. 
من روسيا: كلنا أمل أن تحافظ على التوازن الدولي. من الاتحاد الأوربي: ندعو ترامب إلى زيارتنا. من فرنسا: يحدونا الأمل أن تبقى أميركا في الخط الذي اعتدناه منها. من ألمانيا: على أميركا ألا تنسى التزاماتها تجاه أوربا والعالم. من بريطانيا، سنقف إلى جانب أميركا في مواجهة الإرهاب. من السعودية: إن أميركا حليف استراتيجي لنا. من ليبيا: لا ننسى الدور الكبير لأميركا في القضاء على الإرهاب. من لبنان: كما عودتنا أميركا على الدرس الديمقراطي، هكذا نريدها دائماً. من مصر: نحن واثقون أن أميركا ستحافظ على التزاماتها بالنسبة لقضية السلام في المنطقة. من اسرائيل: نترقب من أميركا تحقيق ما تبقى من وعود لم تنفَّذ سابقاً. من فنزويلا: إننا في انتظار ما يمكن أن تقوم به إدارة ترامب الجديدة تجاه القضايا العالقة بيننا. من  نيبال: لا ننسى جميل أميركا في تقديم المساعدات الدائمة لنا وحمايتنا من الجوع القاتل. من نيجيريا: لا دولة قادرة على استئصال شأفة الإرهاب في العالم مثل أميركا. من السويد: أميركا دولة عظمى ، وستبقى عظمى. من باكستان: يستحيل علينا البقاء دون أميركا. من الصين: من المؤكد أن العالم لا يستطيع مواجهة المشاكل التي تواجهه من دون أميركا. من كوبا: لا نريد من أميركا أن تزيد في مشاكلنا. من مدغشقر: قرودنا على وشك أن تنفَق وتحتاج إلى المزيد من الموز، وأميركا وحدها قادرة على حل هذه المشكلة…الخ.
دول مختلفة، ومن تندرج في هذا السياق، تسارعت إلى تهنئة ترامب بفوزه بالرئاسة الأميركية القادمة دون استثناء، ولكل دولة حساباتها، ولكنها حسابات لم تخل من مخاوف فيما يمكن أن ” تفعله ” أميركا ” ترامب المجنون “، كل دولة رغبت في أن تكون أميركا كما هو مأمول منها حيناً، ومرجو منها في غالب الأحيان، ولا بد أن الوضع كذلك حتى الآن، إذ إن ترامب الذي قيل فيه ما قيل، هو الآن رئيس أميركا المنتظَر، وكل الذين يمضون في الحديث عما ستكون عليه أميركا ترامب، أفصحوا إجمالاً كما لو أنها نظيرة أي دولة من دول المنطقة والعالم المقابل، حيث الدولة مسماة بـ: مؤسساتها، وبرّها وبحرها وهوائها، وأحيائها وموتاها، وكائناتها الأخرى في ذمة القيّم الوحيد الأوحد عليها، وأن ترامب مهما بلغ به جنونه المزعوم، أو كما يُتخيَّل، أو يشار إليه من قبل كتّاب ذوي ألقاب ولحى وعوذلة وبسمله في مطلع كل عبارة لهم، وهم يعلّقون على الجاري أميركياً حتى وهم في أميركا وأوربا ” الملحدة ” هرباً من بلادهم ” المسلمة “، أن ترامب هذا، في كل ما يعرَف به من غرابة سلوك في القول والفعل، وبالنسبة إلى ” الجنون ” لا يمثّل جنونه المعتبَر هذا نسبة ” واحد بالمليون ” من جنون أي متحكم بكل بلد من بلاد ” الإسلام ” المعروفة، وكيفية التحكم بمصائر البلاد هذه وعبادها، أن جنون ترامب المتخوف منه، ربما يبرز متعارضاً مع الجنون المدّمر لهؤلاء الموسومين قادة تاريخيين والموهوبيين بفضيلة سماوية إلى شعوبهم، أن يكون جنونه مهدّداً لجنون هذا المخرّب والمسمّم لحيوات أمم وشعوب محكومة بسلطة شخصية مطلقة، وأن ينبّه جنونه جنون أولئك بلزوم التعقل ولو قليلاً، وكون ترامب الذي يفكَّر فيه بمقاييس جنون من سمّيت، مهما أفصح عن سلوكه غرابةً، يبقى محكوماً بقانون يعلو ولا يعلى عليه بداية ونهاية.
إلا أن اللافت والمتوقع، في بنية الرسائل المتقاطرة، هو هذا التحول الانعطافي في المواقف، هو في الرهان على أميركا، هو التأكيد على مخاوف تعني من يفطِرون شعوبهم على الخوف، ويعشّونها خوفاً في المجمل.
أين يقف الجنون إذاً، ومن أين ينبثق الجنون ، وكيف يمكن تعقّبه : ولادة فعلية، ونشأة فعلية، وتخريباً فعلياً ؟
دهوك، في 11 تشرين الثاني، 2016 .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…