«جريمة» أمام عدسات البث المباشر..!!

عماد برهو*

تزداد عملية إنتاج المحتوى الإعلامي والعمل الإخباري تعقيدًا في البيئة الإعلامية الراهنة التي أصبحت تهيمن فيها ثقافة الشاشة (شاشات الهواتف الذكية والشبكات الاجتماعية التي تحوَّلت إلى وسائل سائدة تفرض سلطتها حتى على نشاط مؤسسات الإعلام التقليدي العالمية)؛ حيث التدفقُ الهائل للأخبار والمعلومات والبيانات، وتعدُّدُ مصادرها ورواياتها واختلافُ أجندتها الإخبارية. 
والمتتبع لنشاط  وسائل الإعلام المختلفة يجد استفحال هذه الممارسة الإعلامية المُتَجاوِزَة للأخلاق المهنية (اصطناع الوقائع وفَبْرَكَتِها) في الأعوام الأخيرة، حيث أسهمت هذه الظاهرة في أزمات وصراعات سياسية كثيرة. 
وقد برزت، أي الظاهرة، بشكل لافت في وسائل الإعلام الجديد، لاسيما المواقع الإخبارية والصحف الإلكترونية، وحتى بعض المواقع الإلكترونية الرسمية (وكالات أنباء الأخبار وغيرها)، التي لا يَنْتظِم عدد كبير منها للقواعد الحاكمة للعمل الإعلامي المهني لأسباب مختلفة؛ قد يكون بعضها مرتبطًا بالظروف المهنية التي يعمل فيها الصحفيون بحثًا عن الأخبار الحصرية والعاجلة دون التَّحقُّق من صحة المعلومات والتحرِّي في دقة البيانات ونسبة الأفعال والأقوال إلى مصادرها الأصلية. وقد تكون قلَّة الخبرة المهنية ونقص التكوين سببًا في هذه الممارسة المُتَجاوِزَة لأخلاقيات المهنة، لكن هناك بعض الوسائط تعمل على ترويج الأخبار الكاذبة خدمة لأجندة الجهات والأطراف (أفرادًا وجماعات ودولًا) التي تُموِّل هذه الوسائل، وأيضًا الدعاية لأطروحاتها السياسية عبر إنتاج روايات صحفية لإحداث تغيير في المواقف وخلق الاستجابة الملائمة لأهدافها وسط الرأي العام المحلي والدولي.
سبب هذا الحديث اليوم، وفاة اللاجئ الكردي الإيراني الشاب، (بهزاد محمودي)،متأثراً بحروق كبيرة نتيجة قيامه قبل أيام بإضرام النار في جسده- بوساطة مواد نفطية سريعة الاشتعال- أمام مقر الأمم المتحدة UN بمحافظة أربيل في إقليم كردستان العراق، لمطالبة المنظمة الأممية بتقديم المساعدات للاجئين من أقرانه، والملفت للنظر وفي ظاهرة “خطيرة” بأن عملية “الانتحار” هذه من خلال سكب البنزين على جسده وإشعاله بوساطة “قداحة”، تمت أمام عدة كاميرات تصوير لوسائل إعلام محلية تتبع جهات سياسية “معارضة”، في بث مباشر، دون رادع أخلاقي من أحد هؤلاء “المدعين” لمهنة الصحافة، وكأن حياة البشر لعبة في يدهم، وكان همهم التقاط صورة هذا الشاب وهو يحترق أمام كاميراتهم اللعينة، كسباً في شهرة وسبق صحافي. 
هذه الحادثة المفجعة والمحزنة، أثرت بشكل كبير على الرأي لعام الكوردي والعراقي، وجعلت منها قضية “رأي عام” وبدأ النشطاء السياسيون ومنظمات المجتمع المدني، والصحافيين والإعلاميين العاملين في وسائل الإعلام المحترمة، برفع أصواتهم عالياً ضد وصول الأخلاق لدى “البعض” من ممتهني الإعلام الى هذه الدرجة من الانحطاط والدونية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا، ألم يقرأ هؤلاء “أشباه” الإعلاميين، ومؤسساتهم، بأن ميثاق شرف الاتحاد الدولي للصحفيين، ذكر في إحدى مواده: “يستخدم الصحفي وسائل مشروعة للحصول على الأنباء أو الصورة أو الوثيقة. وأي وسيلة مشروعة تلك اتخذوها هؤلاء لتبرير جريمتهم، وهم يعرضون عبر كاميراتهم صورة هذا الشاب الذي تأكل النار من جسده شيئاً فشيئاً، دون أن يتحرك أحدهم لإنقاذه، وتخليصه من هذا الجحيم الذي أدخل نفسه فيه نتيجة وقوفه أمام تلك الكاميرات في مشهد هوليودي حزين.
مهنة الإعلام كغيرها من المهن الأخرى، لها أخلاقياتها ومواثيقها الدولية والإقليمية والمحلية، ولكن على ما يبدو، لم يسمع أو يقرأ هؤلاء “الإعلاميون” شيئاً عن هذه الأخلاق الصحافية، وليس لديهم أي رادع أخلاقي آخر.
وهنا لا بد من إعادة طرح السؤال المتعلق بالمسؤولية الأخلاقية المهنية والقواعد الحاكمة للممارسة الإعلامية و”الانحرافات” التحريرية التي تؤثر سلبًا في الرأي العام وتؤدي إلى تضليله وخداعه وتوجيهه، حيث تفتقر كثير من المؤسسات الصحفية لبيئة صحفية مهنية تؤهل الصحفيين العاملين فيها لأداء رسالتهم الإعلامية.
بالعودة الى أخلاقيات الإعلام، وأهمية هذا المفهوم وأبعاده المهنية والأخلاقية والقانونية والاجتماعية، والمجال الذي يسعى إلى تنظيم الممارسة المهنية في القطاعات المختلفة يُسمَّى بالأخلاقيات التطبيقية، وهو ما يجعل الأخلاقيات التطبيقية رابطًا حيويًّا بين النظرية والتطبيق، ومحكَّ الاختبار الحقيقي لصناعة القرار الأخلاقي. 
من جهتها، أدانت نقابة صحفيي كردستان هذا الحادث عبر بيان لها، جاء فيه: “إن هذه الحادثة تخبرنا بأن وسائل الإعلام لدينا تبحث عن الخبر فقط، وليس عن مضمون وتبعات الخبر، وإن لم يكن كذلك، كان على الصحفيين إلقاء مايكروفوناتهم والهرع إلى الشاب عوضاً عن الوقوف ومراقبة الحدث، وذلك ما كان سيغدو محل فخر”.
أما المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، فقد علقت على الحادث بحسب تصريح للمتحدث باسمها، حيث قال: “مأساة الشاب الذي أشعل النار بجسده هي جزء من مأساة أكبر”. مضيفا: “أنه يوجد في إقليم كردستان العراق أكثر من  10 آلاف و700 لاجئ من إيران مسجلون لديهم، وأن المساعدات النقدية تمنح للاجئين على أساس الأسر الأكثر احتياجاً”، كما أشار الى “أنه يوجد في العالم 80 مليون شخص خارج بيته الآن، بينهم 255 ألف لاجئ سوري و50 ألف غير سوري موجودين في إقليم كردستان فقط”.
كلمة أخيرة، بعد هذه الحادثة المؤلمة لهذا الشاب الكوردي، والتي أثرت تأثيراً كبيراً في الرأي العام، وقدمت مادة بحثية وقانونية للتحرك سريعاً لوقف مثل هكذا أخلاقيات لدى بعض العاملين في الوسط الإعلامي الكوردي، وضرورة إقرار رادع قانوني “جنائي” لمحاسبة أمثال هؤلاء المستخفين بأرواح البشر تحت ذريعة “حرية الإعلام” و “إظهار الحقيقة” التي لا يمكن لأحد أن يدعى أحقيته لها.
*كاتب وصحفي سوري

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….