تحدثوا عن فشل الحلول العسكرية … جنرالات أتراك متقاعدون يقوّمون تجاربهم «السلبية» مع الأكراد

هوشنك أوسي  

تحت عنوان: «الجنرالات الذين أمضوا 24 سنة مع حزب العمال الكردستاني»، كتب الكاتب التركي فكرت بيلا – المقرَّب من هيئة الأركان العامة التركية في صحيفة «ملليت» التركية، وعلى مدى خمسة أيام متتالية، ما يشبه التحقيق الصحفي الموسَّع، مجرياً حوارات مع جنرالات أتراك متقاعدين، ابتداءً بكنعان إفرين، قائد الانقلاب العسكري عام 1980، وانتهاءً بالقائد السابق لهيئة الأركان التركية حلمي أوسكوك، ومعظمهم كانوا قادة لهيئة الأركان العامَّة التركية، وخاضوا حرباً ضروساً مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني منذ 15/8/1984، حين أعلن الحزب بداية كفاحه المسلح، ولغاية إحالتهم الى التقاعد.
رصد فكرت بيلا آراء ومواقف هذه الكوكبة من الجنرالات، حيال الأزمة القديمة – الجديدة مع الكردستاني، وجدوى العمل العسكري في حسم الملف الكردي، وإمكانات نجاح العملية العسكرية المرتقبة في كردستان العراق، التي حشد لها الجيش التركي أكثر من مئة ألف جندي، وتحاول حكومة رجب طيب أردوغان جاهدة تأمين التغطية السياسية الأوروبية والأميركية والإقليمية والدولية اللازمة لها، بعد أن منحت العسكر التفويض البرلماني لغزو كردستان العراق، الشهر الماضي.

وظهر جليَّاً في المقالات المشار إليها، اعترافات غير مسبوقة، وغير مباشرة، من قادة الحرب التركية على الأكراد، بالهزيمة، وإفلاس الحل العسكري.
الجنرالات الذي قاموا بشنِّ حرب على حزب العمال الكردستاني على مدى 24 سنة، اعترفوا بأخطائهم! فمهندس انقلاب 12 أيلول (سبتمبر) سنة 1980، كنعان إفرين يقول: «منعنا للكرد، لم يفدنا في شيء».

ويدلي الجنرال المتقاعد آيتاج يالمان بوجهة نظره إزاء القضية الكردية: «منذ مطلع السبعينات، سعينا في شكل محموم لإنكار الشعب الكردي تاريخياً!».

وبخصوص عمليات التعذيب التي كانت تجرى في السجون والمعتقلات التركية، يقول: «لم نقل لأحد أن يمارس التعذيب على أحد!»، في حين لم ينسّ أن يلمِّح إلى أن التعذيب في حقبة ما قبل انقلاب 12 أيلول 1980 كان «ضرورياً»!.

وردَّاً على سؤال: «لماذا قمتم بحظر اللغة الكردية؟»، أجاب إفرين: «الخطأ الذي وقعنا فيه بعد انقلاب 12 أيلول، هو حظرنا اللَّغة الكردية في كل مرافق الدولة.

فحين كنت رئيساً للدولة، قمت بزيارة إحدى المدارس الابتدائية في إحدى قرى جنوب شرقي البلاد، ولم أعد أذكر، إن كان التلاميذ في الصف الثالث أو الرابع.

فتحت كتاباً، وطلبت من أحد الأطفال القراءة، لكنه لم يستطع.

تصوَّر، وصل الى الصف الرابع، ولا يستطيع القراءة بالتركية! فغضبت كثيراً، وقلت وقتها، معنِّفاً المُدرِّس: ما هذا العمل؟ وصل الى الصف الرابع، ولا يعرف القراءة بالتركية؟! في ما بعد، عرفت بأن المُدرِّس أيضاً كان كرديَّاً، ويُعلِّم الأطفال الأكراد باللغة الكردية.

وحال عودتي من هناك، أصدرت قراري بحظر التكلُّم بالكردية.

وعرفت الآن، أن ذلك القرار كان خاطئاً».
وردَّاً على سؤال: «حالياً، كيف تنظرون حل المسألة الكردية؟» قال: «حين كنت قائداً للأركان العامَّة، قمت بزيارة كندا، وهناك، زرت إقليم الكيبيك، واستغربت من كون الفرنسية، هي لغة أهل الإقليم، فاستفسرت عن ذلك، وكيف يمكن حصول هذا في كندا؟.

فقالوا لي: هذا الإقليم هو للكنديين من أصول فرنسية.

ولا مناص أمام رجال الأعمال الراغبين في الاستثمار في هذه المنطقة إلا إتقان الفرنسية والإنكليزية في آن.

وينبغي أن يسري هذا الأمر علينا أيضاً.

فيجب على المستثمر التركي الذي يود العمل في جنوبي شرقي البلاد، أن يجيد التكلُّم بالكردية».
القائد السابق لهيئة الأركان التركية حلمي أوسكوك، وتعليقاً على جدوى الاجتياح العسكري التركي المزمع لكردستان العراق قال: «يظنون أنهم بحملة تمشيط واسعة النطاق في شمال العراق، سينهون الأمر!؟ لا، لن يستطيعوا فعل ذلك.

لماذا؟، لأننا سابقاً قمنا بحملات تمشيطية عدة.

المقاتلون المعادون لنا، يمتلكون خبرةً وعمقاً استراتيجياً.

هم، دائمو التحرُّك، فقط، لديهم حقيبة تحتوي كل حاجياتهم، يضعونها على ظهرهم، ويقطعون أكثر من 200 كيلو متر سيراً على الأقدام في شكل متواصل، في الأماكن الأكثر وعورة، ويلقون دعماً كبيراً من الناس.

وهم، ليسوا مثلنا، أصحاب مراكز ثابتة، ومُعدَّات ثقيلة، فلا مكان ثابت لنومهم أو تدريبهم! وفي هكذا حالة، أين ستتجه؟».
الفريق أوَّل، آيتاج يالمان، الذي كان في 1998 قائد الجيش الثاني في المؤسسة العسكرية التركية، وبقي حتى عام 2002 قائداً للقوات البرِّيَّة، ذكر: «أن حزب العمال الكردستاني ظهر كنتيجة للمسألة الكردية في تركيا، ولأنهم أنكروا وجود الشعب الكردي، وأنكروا وجود مسألة كردية، ولم يقوموا بحلِّها، وصلت تركيا إلى ما هي عليه حالياً».

ويشير إلى كيفية إنكارهم للكرد في حقبة السبعينات قائلاً: «كان الأكراد يودُّون فقط التحدُّث بلغتهم الأم، والاستماع لأغانيهم، وإحياء ثقافتهم، وقتئذ، تربَّينا على مقولة: أنْ لا وجود للأكراد!.

كنَّا نعتبر الأكراد فرعاً تركيَّاً.

كنَّا نعتبر حتى مطالبهم الاجتماعية، رغبة في الانفصال».
قائد الأركان العامة الأسبق إسماعيل حقي قراداي، وصف حزب العمال الكردستاني بـ «الانتفاضة أو التمرُّد»، خلافاً للأوصاف والنعوت التركية المعتمدة في وصف هذه الحركة، وهي «الإرهاب أو المنظمة الإرهابية…».

وفي ما يتعلَّق بالحملة العسكرية خارج الحدود على الكردستاني، رأى قراداي أنه ينبغي أن «تكون سرِّيَّة وخاطفة».

لكنه ذكر ان: «لا أحد يمانع من أن يتمتَّع الكرد بحقوقهم الثقافية، وأن يتحدَّثوا بلغتهم الأم، وأن يحيوا تراثهم وفولكلورهم…».
بعد نشر هذه المقالات في منبر إعلامي، شديد الصلة بالمؤسسة العسكرية التركية، كجريدة «ملليت»، لاقت اعترافات الجنرالات الأتراك المتقاعدين، ارتياحاً نسبيَّاً في الأوساط الكردية، لأنها جاءت لتؤكِّد وجهة نظرهم في إفلاس الحل العسكري، وضرورة اتجاه تركيا نحو الحلول السلمية، حيث أشاد عبدالله أوجلان، المعتقل لدى السلطات التركية منذ 1999، بآراء الجنرالات المتقاعدين التي تصبُّ في هذا السياق، وقال عنها في تصريحه الأخير، عبر محاميه يوم 7/11/2007: «إنها دليل دامغ على عقم الحل العسكري»، مجدداً دعوته للحلول السلمية.

وليس خافياً أن كنعان إفرين، فجَّر قنبلة في الأشهر الماضية، في لقاء تلفزيوني، على إحدى القنوات التركية، حين صرَّح: «إن مصير تركيا هو النظام الفيديرالي.

وأنْ لا مناص أمامها من التخلِّي عن النظام المركزي، والتحوُّل إلى فيديراليات»، ما جعله عرضة لحملة واسعة النطاق في الإعلام التركي، واتهامه حتى بـ «الخيانة، وتبنيه لطروحات وأفكار أوجلان…» حول طبيعة الحكم في تركيا!
قائد الأركان التركية الحالي، ياشار بيوكآنت، جمع رؤساء 14 صحيفة تركية، محدداً لهم الخطوط الحمر التي ينبغي أن لا يتجاوزوها، في المرحلة المقبلة، موجِّهاً تهديدات واضحة وصريحة لحزب المجتمع الديموقراطي DTP، (الواجهة السياسية للعمال الكردستاني في تركيا)، ونوَّابه الـ22 في البرلمان التركي.
الفريق أوَّل بيوكآنت، وطاقم الجنرالات المحيطون به، كانوا، حتى قبل سنين قريبة، يديرون الحرب ضد الكردستاني تحت إمرة الجنرالات المتقاعدين، السالفي الذكر.

وقد يأتي اليوم الذي يتحدث فيه بيوكآنت عن فشل الحل العسكري.

——

 الحياة  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….