الصحافة الكردية .. كلمة حق في وجه جائر

علي شمدين *

لقد قيل تاريخيا الكثير عن أهمية الصحافة وتأثيرها السحري على الرأي العام في المجتمعات البشرية ، فضربت فيها الحكم والامثال التي تمجد دورها وفعاليتها، لانها كانت حتى وقت قريب تعتبر الوسيلة الاعلامية شبه الوحيدة في الساحة الاعلامية ، فوصفت بالسلطة الرابعة ،بعد السلطات (التشريعية ، التنفيذية ، والقضائية) ،وسميت بصاحبة الجلالة ..

كما كانت مفاصل اشد الحكام واعتى الدكتاتوريات ترتعد أمام سلطتها ، وعروشها كانت تهتز امام حملاتها الاعلامية وهجماتها العنيفة ، ولهذا كانت الانقلابات تتوجه نحو المؤسسات الاعلامية حتى قبل ان تتوجه الى مؤسسات الدفاع أو أية مؤسسة أخرى ..
وبالرغم من انه كانت للصحافة مثل هذه الهيبة والتأثير في حشد الرأي العام وادارته ، الا انها لم تسلم من نقمة الحكام والانظمة الدكتاتورية التي لم تتردد في محاصرتها وتصفية روادها ومعاقبتهم اشد العقوبات ، ولهذا كانت تسمية (مهنة المتاعب) من ابرز التسميات التي اطلقت على هذه المهنة التي كانت المخاطر بالمرصاد للعاملين فيها ، وقد سجل التاريخ في هذا المجال فظائع وانتهاكات يندى لها جبين البشرية .
وايمانا منه باهمية الصحافة ودورها في دعم نضال الشعب الكردي من اجل دحر الظلم والاضطهاد ونيل حقوقه القومية ، بادر الامير مقداد مدحت بدرخان منذ (112) عاما الى تدشين مسيرة الصحافة الكردية عندما اصدر في 22/نيسان/1898 العدد الأول من جريدة (كردستان) في القاهرة باللغة الكردية وقام بتوزيعها على طول كردستان وعرضها ، حتى تمكنت هذه الجريدة وخلال فترة قصيرة من استقطاب دائرة واسعة من القراء والمتابعين لها ، كما احتضنت مجموعة لايستهان بها من الكتاب والمثقفين والادباء الذين وجدوا في هذا المنبر الاعلامي اليتيم متنفسا لاعلان صرختهم في وجه مضطهديهم ومستعبديهم ، وايصال صوتهم المحرض على المقاومة والنضال الى جماهير الشعب الكردي وايقاظ الروح القومية فيهم  ..


وقد لعبت الصحافة الكردية هي الأخرى ، منذ ذاك الحين وحتى يومنا هذا ، دورها المشرف في مواجهة الظلم والاضطهاد الممارس ضد الكرد بمختلف اشكاله ، وتغنت بقيم الحرية والعدالة والمساواة وخاضت معارك اعلامية لايستهان بها دفاعا عن مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان ، وقد دفع روادها برجولة ضريبة غالية من السجن والنفي والتعذيب والملاحقة والتصفيات النفسية والجسدية دون ان تلين لهم عزيمة ، وقد سجل البدرخانيون في هذا المجال ملاحم نضالية رائعة ، يحق للشعب الكردي ان يفتخر بهم ويجلهم ..
فاذا كانت للصحافة مثل هذا الدور الهام في نضال الشعب الكردي وحركته القومية في اجزاء كردستان التي كانت تشهد مختلف اشكال النضال (المسلح ،السياسي )  ، فانها اكتسبت اهمية أعظم لدى الشعب الكردي في سوريا وحركته السياسية التي لم يكن امامها خيارات نضالية سوى الخيار السياسي وكانت الصحافة ، بامكاناتها البدائية المتواضعة ، اداتها المؤثرة في وجه سياسات القمع والاضطهاد القومي ، وصرختها الرافضة للسياسات الشوفينية والمشاريع العنصرية التي تستهدف الوجود الكردي وهويته القومية ..
وبالرغم من عدم التكافؤ بين الصحافة الكردية في سوريا والصحافة الرسمية التي كانت تصدر بامكانت ضخمة ، وبالرغم من الصعوبات والعقبات التي لم تتوانى الانظمة عن افتعالها امام الصحافة الكردية ، والثغرات والسلبيات الذاتية التي ظلت تعانيها الصحافة الكردية الى يومنا هذا، الا انها بالغم من كل ذلك ظلت تشكل صرخة حق في وجه الظالمين الجائرين ونداءا مؤثرا للتضامن مع القضية الكردية، ولطالما ظلت هذه الصحافة ولاتزال تقلقهم امام الرأي العام وتفضح انتهاكاتهم المنافية لجميع الاعراف..
وكل عام و(صاحبة الجلالة) الكردية بخير ..
وتحية اجلال لروادها الأوائل الذين اوقدوا بارواحهم دروب التنوير واليقظة القومية امام الشعب الكردي ، واخذوا من الصحافة سلاحا ناجعا على هذه الطريق ، كما لابد من تقديم باقة ورد جميلة للعاملين بتصميم وعناد في مجال الصحافة الكردية وبامكانت بدائية ، لمواجهة هذا البحر المتلاطم من الاعلام المضلل والمضاد الذي يعتمد احدث واضخم التقنيات التكنولوجية الحديثة وتجند لها مبالغ  خيالية تكفي لتجهيز جيوش جرارة.
————–

* – كاتب وصحفي كردي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…