عن الحق الكُردي في الاستفتاء

حسين جلبي
لم يرفع الأكراد السلاح في وجه جيرانهم العرب أو الأترك أو الفرس. لم يجيشوا الجيوش ليغزوا بها ديارهم، ولم يرسلوا المقاتلين إلى مدن العالم لإرهاب مواطنيها والقيام بتفجيرات فيها. إنهم يحاولون، بكل بساطة، وبكل نقائهم المعهود، إسماع الجميع صوتهم بطريقة سلمية حضارية هي الاستفتاء، انطلاقاً من أرضهم التاريخية التي لا ينازعهم عليها أحد، حيث الهواء والماء والتراب تتكلم اللغة الكردية.
والاستفتاء الذي تزمع سلطات إقليم كردستان تنفيذه في 25 أيلول (سبتمبر) الجاري، والذي سيقوم خلاله مواطنو الإقليم بتقرير مصيره والتصويت على مستقبلهم، وتقرير ما إذا كانوا سيختارون البقاء ضمن دولة العراق شبه المنهارة، والتي فقدت مقومات الدولة، وأصبحت مجرد كانتون طائفي يُدار من الخارج، أو تحقيق الحلم في دولة كردية مستقلة، بحيث يصبحون مواطنين بهوية جديدة،
لا نجد في الشرائع السماوية ما يحرّمه، كما أن القوانين الدولية تنص على مشروعية القيام به، إلا أن دول الطوق المحيطة بإقليم كردستان، سورية وتركيا والعراق وإيران، والتي تتعارض مصالحها مع نيل الأكراد حقوقهم على طول الخط، وفي أية بقعة من العالم، تقوم بمحاولات حثيثة لسلبهم هذا الحق المشروع، تحت حجج متهافتة، منها قدسية الحدود الحالية، طالما تعلق الأمر بحقوق الشعب الكردي، والتي فرضت على شعوب المنطقة نتيجة اتفاقات استعمارية قبل قرن من الزمان، لم ترض عنها تلك الشعوب يوماً، على غم مرور كل ذلك الوقت، أو بداعي حصول الاستفتاء في وقت غير مناسب، قد يؤدي إلى فتح الأبواب لأسباب جديدة للصراع، في منطقة لم تهدأ، ولم تخل يوماً من الاضطرابات.
بهذا المعنى ولكل ما سبق، يعتبر الاستفتاء المرتقب تحدياً لا يقل أهمية عن الحروب الوجودية التي خاضها الأكراد دفاعاً عن النفس، لا بل أنه يعتبر، عهلى رغم اختلاف الوسيلة، حتى الآن على الأقل، تتويجاً لتلك الحروب، ومرحلتها الأخطر والفصل الأكثر مصيرية فيها، كونه سيحدد المنتصر من حرب المئة عام التي أجريت على أراضي كردستان، خصوصاً مع تصاعد الاعتراضات الإقليمية، وظهور مواقف دولية ملتبسة في شأنه، ووصول التنسيق، العلني منه والسري بين دول الطوق الأربع، ومن يساندها، إلى درجة الالتقاء على أعلى المستويات، مثلما حدث أخيراً في اللقاء الذي جمع رئيسي أركان الجيشين الإيراني والتركي في أنقرة بحجة محاربة الإرهاب، على رغم تعارض بنية تلك الدول واختلاف مصالحها وتضاد أنظمتها، الأمر الذي تمت ترجمته في تعريفاتها المختلفة للإرهاب، الى درجة أن ما يجرى في سورية منذ سبع سنوات قد باعد بينها، وأوصلها إلى حد الاقتراب كثيراً من الصدام، إلا أنه يبدو بأن معادة الأكراد وحقوقهم بقيت بمثابة شعرة معاوية التي تربط بينها، والتي حرصت على المحافظة عليها طوال الوقت.
لقد تحرر الأكراد من مرحلة البقاء القسري ضمن العراق بعد الاحتلال الأميركي له، وشاركوا على رغم ذلك المكونات العراقية الأخرى في وضع دستور طموح، كان تطبيقه كفيلاً بتحقيق العدالة للجميع وإزالة مظالم العهد السابق، إلا أن الطرفين العراقيين، وتحديداً الشيعي الذي تسلّم دفة الحكم في البلاد جانياً بذلك ثمار ذلك الاحتلال، سارا على سكتين مختلفتين، توصل الأخيرة منهما أصحابها إلى إيران، التي تقمع بدورها الأكراد فيها، وهو تقليد متبع في سورية وتركيا أيضاً. وكي لا يكون العراق استثناء، ولا يتبع سياسات منفتحة تؤثر في وضع الأكراد في البلدان الأخرى وتحرج حكوماتها، بدأت الحكومة العراقية بالتضييق على إقليم كردستان، حيث لم تطبق الدستور، خصوصاً المواد المتعلقة بتطبيع الأوضاع في مناطق الإقليم، وإعادة المهجرين الأكراد إلى بيوتهم. وما زاد الطين بلة، التهديدات المستمرة للإقليم، وعدم التزام تلك الحكومة باعطائه حصته المتفق عليها من الموازنة العامة، في سياسة تهدف إلى تجويع الأكراد وإركاعهم، وهي نتيجة لم تحققها الأنظمة العراقية السابقة، على رغم استعمال الحديد والنار، والكيماوي والأنفال.
المصدر: صحيفة الحياة

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…

شادي حاجي في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟ ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية. فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن…