قالوا في خطاب الأسد

  محمد كريشان

لعله جزء من “المؤامرة”!! الباحث في ردود الفعل على خطاب الرئيس بشار الأسد الأخير يجد عناء كبيرا في العثور على كلمة طيبة واحدة في حقه.

الكل تقريبا لم ير منه و فيه إلا كل سلبي.


السياسة لا ترحم، ليست بحثا أكاديميا يقلب الأمر من أوجهه كافة فيتطرق إلى دفوعات هذا الطرف ودفوعات خصمه ليصل في النهاية إلى خلاصة هي أقرب ما تكون إلى النزاهة العلمية في قضية ما من القضايا الفكرية الشائكة.
السياسة وخاصة عندما تقترب من مناطق النزاعات والثورات والحروب لا تحبذ اللون الرمادي فتركن إلى أحد لونين الأبيض أو الأسود.

وعندما تمتد احتجاجات السوريين ضد نظام حكمهم لأكثر من ثلاثة أشهر الآن من الصعب جدا أن تجد الكفة مرجحة لعشاق لون الثلج.


بعض المنتقى من ردود الفعل هذه يشير إلى أن وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه قال مثلا إن الرئيس السوري بلغ “نقطة اللاعودة” فيما رأى نظيره الألماني غيدو فسترفيلي خطابه خطاب شخص “لا رجاء منه ولم يفهم إشارات الزمن على ما يبدو”.


المتحدثة باسم الخارجية فيكتوريا نولاند قالت إن الخطاب “ليس سوى كلمات”.

وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ اعتبره “مخيبا للآمال وغير مقنع”.

الرئيس التركي عبدا لله غول قال إن على الأسد أن يكون “أكثر وضوحا بكثير” في كلامه عن التغيير الديمقرطي في بلاده.

أما السوريون، و هم الأساس، فقالت منهم مثلا الناشطة المعارضة سهير الأتاسي إن خطاب الأسد “لا يرقى إلى مستوى الأزمة” فيما ذكر عبد الرزاق عيد، رئيس المجلس الوطني لـ”إعلان دمشق” في المهجر، أن الرئيس الأسد “كلما قال قولا جديدا أو اتخذ قرارا جديدا عمّق الانتفاضة ضده”.

أما الحقوقي أنور البني فاعتبر الخطاب “مخيبا للامال كما سابقيه”.
قلة من رأوا في الخطاب عكس ذلك، وأغلبهم للمفارقة من اللبنانيين ، من نوع ما قاله الوزير اللبناني السابق ألبير منصور أن “النهج الذي تكلم به الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه نهج إيجابي، ووضع العناوين الكبرى الأساسية والتي من الممكن أن تؤدي إلى إقفال الثغرات الموجودة”، أو ما قاله الصحافي رفيق نصر الله من أن ما سمعناه الاثنين في جامعة دمشق “كان خطاب ثقة ورسم خريطة طريق وجدولا زمنيا للإصلاح وقدم اقتراحات أفضل مما تقدمه المعارضة في الداخل” (هكذا!).


في عالم السياسة ليس مهما ما كنت تنوي قوله في كلامك أو كيف عبرت عنه ولكن كيف استقبله الناس وكيف فهم في الداخل قبل الخارج .

هنا يمكن القول بلا مواربة بأن الرئيس السوري أضاع على نفسه وعلى شعبه فرصة أخرى قد تكون الأخيرة.

كثيرون حائرون من ثورة تونس إلى ما أعقبها في مصر وليبيا واليمن والبحرين وسورية كيف يضيع قادة هذه الدول بشكل غريب فرص الحديث إلى شعوبهم وكيف يعجزون عن فهم مزاج من يفترض أنهم يعرفون عنهم كل كبيرة وصغيرة.


ليس عيبا من زعيم، جدير بهذا اللقب، أن يتواضع قليلا ويتراجع أو يعترف بأخطاء ارتكبها ويقول إنه مستعد لتحمل مسؤولياته كاملة.

العناد والمكابرة داء قاتل والتناغم مع ما يريده الشعب يزيد القائد تقديرا ولا ينتقص من قدره أو صلابته.

العكس هو الصحيح تماما.


مثال بسيط : في يناير 1984 اشتعلت تونس بانتفاضة الخبز الذي رفع عنه بالكامل الدعم الحكومي.

سقط قتلى و جرحى ونزل الجيش إلى الشارع ثم خرج الزعيم الحبيب بورقيبة وقد ظل محافظا على حس رجل الدولة رغم شيخوخته وتخبطاتها ليقول في كلمة مرتجلة لم تتجاوز الدقيقة الواحدة بأنه أعاد أسعار الخبز كما كانت وسيحاسب من تسبب في تضليله بشأنها.

لم تمض دقائق حتى خرج مئات الآلاف يهتفون بحياته!!
انتهى هذا المعدن من القادة العرب و لم يبق إلا كل مدع حكمة وسداد نظر إلى أن يدفع بعضهم بعد بلادهم الثمن غاليا فلا يذكرهم أحد بعد ذلك بأي خير مع أنه كان بإمكانهم فعلا أن يجعلوا الناس تهتف بحياتهم من جديد”.

إنك لن تهدي من أحببت إن الله يهدي من يشاء” صدق الله العظيم.

القدس العربي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…