الثورة السورية بين نظام سادي ومعارضة مازوشية

حليم يوسف

كشفت الثورة السورية وهي تدخل شهرها السابع عن الكثير من الحقائق التي كانت حتى وقت قريب مغطاة بغشاء سميك يزداد غلاظة واكتمالا منذ أكثر من أربعين سنة.

انزاح الغطاء عن نظام يتغنى بالقومية العربية الساعية الى العيش في وطن واحد يمتد من المحيط الى الخليج, فاذا بنا أمام نظام فردي, عائلي, طائفي, استخباراتي, دموي, قميء يدمن القتل بدم بارد مستخدما جيشا أشبه بعصابات ومجموعات مافيوية تدار من قبل أقطاب العائلة التي تعتبر الطائفة سقفها الأوسع.

واذا بالمعارضين يتخبطون بذهول أمام ثورة فاجأتهم وهم يبحثون عن قنوات توصلهم الى حيث فتات طبخة وهمية اسمها الاصلاح.
 ولا يتوانى الرئيس الوريث , على عجل, عن اشهار طناجره الفارغة في وجوه جيرانه تجار القضايا الأتراك حينا وفي وجه بان كي مون وبقية دول العالم, حيث الروس الأكثر حماسا لتزويده بطناجر جديدة وبمزيد من الأسلحة والعتاد, اذا لزم الأمر.

ففي الوقت الذي يتحدث فيه الفرنسيون عن فضيحة دولية تتجلى في عدم الوصول الى قرار دولي بشأن الدم السوري المستباح بأيدي جلاوزة القتل الموزعين بين قوى “الأمن” وفرق “حماة الديار”السورية بالتساوي.

ويحمل الشباب على امتداد التظاهرات الحاشدة لافتات تطالب بالحماية الدولية وبكف يد القتل والنهب والسحق والاجرام”الرسمي” عن صرخاتهم المدوية المطالبة بالحرية, ينعقد مؤتمر في الداخل السوري باسم “المعارضة” ويشهر في وجه أكثر من ثلاثة آلاف من القتلى لاءات ثلاث, أولها “لا للتدخل الخارجي”.

حتى أن بعضهم بدأ يشير الى التحدث عن السيادة الوطنية, وكأن وطنه العتيد كامل السيادة في ظل العصابة الحاكمة هذه التي حولت مئات الالاف من السوريين الى لاجئين ومشردين في منافي العالم سابقا وفي مخيمات اللجوء في دول الجيران لاحقا.

يبدوا أن هؤلاء المعارضين أو من اعتلى موجة المعارضة, معجبون بالسيادة الوطنية التي تمارسها فرق الموت الحامية لديار السيادة الوطنية التي لن يتنازل عنها هؤلاء ولو أدى ذلك الى ابادة نصف الشعب السوري الأعزل.

هذا عدا عن رفضهم للعنف! وكأن المعركة دائرة بين طرفين مسلحين وهذه المعارضة القادمة من جمهورية أفلاطون تتحدث عن ساحات قتال بين طرفين متحاربين وكأنهم ليسوا بصدد نظام يمارس العنف الأعمى ضد شعبه التائق الى الحرية.حتى أن الأمر وصل ببعض المحسوبين على هذه المعارضة الأفلاطونية وبالنيابة عن الاعلام الرسمي السوري بدأ يتحدث عن عصابات مسلحة.

ان قراءة الأمور بهذه الطريقة التي أقل مل يقال فيها بأنها “رومانسية” من قبل أطراف محسوبة على المعارضة تدعي العلمانية والانفتاح على الاخر, تدفع بالأزمة السورية الى مزيد من التعقيد.

فمن ناحية تصنع شرخا بين المتظاهرين وبين “المعارضة السياسية المنظمة” ومن ناحية أخرى تعطي تصورا مخادعا بعيدا عن الحقيقة, وكأن القوى المحسوبة على الاسلام السياسي لاتعارض التدخل الخارجي وتتوافق بذلك مع مطالب المتظاهرين في الشوارع.

ان أخطر ما تنتجه هذه القراءة المغالية في وطنيتها هي رفع صفة التعدد والتنوع عن القوى الفاعلة في الثورة السورية والوقوف في خندق النظام وان كان تحت مسميات المعارضة التي تتحدث عن اسقاط النظام “الأمني”تارة و”الفاسد”تارة أخرى.

ان هذه المعارضة”الممانعة”والرافضة للتدخل الدولي والرافضة للدفاع”المسلح” عن النفس هي نسخة مقلوبة من النظام “الممانع” وتستطيع التعايش مع نظام أنتجها ولأربعين سنة أخرى.

لاشك أن مطلب التدخل الدولي ليس هدفا ولاينسجم مع رغبة أي متظاهر في الشارع السوري الثائر, لكنه تحصيل حاصل لممارسات نظام لايراعي في دمويته وانفلاته الوحشي ضد المدنيين حتى قوانين الغاب.

كما أن عملية اللجوء الى حمل السلاح للدفاع عن النفس أمام آلة القتل اليومي الهمجية تبدو نتيجة طبيعية لما ستؤول اليه الأمور فيما اذا استمر القتل دون رادع أو محاسبة.

ان تطور الأمور بهذا الاتجاه قد لايرغب فيه أحدنا, لكنها الحقيقة الموضوعية التي قد تباغتنا ونحن مشغولون بفرض رغباتنا على واقع متحول لايحتمل الكثير من التنظير و الاختباء وراء شعارات جوفاء لاتستطيع انقاذ روح بشرية واحدة من الأرواح الطاهرة التي تزهق يوميا بنيران جيش وأجهزة السيادة الوطنية.

ان على أصحاب هذه اللاءات البراقة, وانطلاقا من واجب أخلاقي تجاه شعب يباد ووطن مستباح ترتكب فيه جرائم ضد الانسانية, اما أن تتنصل من العمل تحت مسمى “المعارضة” وتترك تسيير أمور المعارضة لأهلها و لأصحاب الشأن, واما أن تقدم حلولاعملية تؤدي الى اسقاط هذا النظام دون تدخل خارجي ودون عنف.

أما الاكتفاء بالاجتماعات”تحت سقف الوطن” واصدار بيانات توسل للنظام القاتل بأن يتوقف عن القتل, فهذا مطلب أفلاطوني وعمل محمود قد يزيد الله به أجرهم يوم القيامة, لكنه لن يردع الشبيحة وقوى الجيش العربي السوري من الاجهاز على ما تبقى من روح ومن حب للحرية في نفوس السوريين الذين تحولوا جميعا الى مشاريع قتلى.


 ان الطابع العام لمواقف هذه القوى والشخصيات, أصحاب النظرة الرومانسية , فيما اذا افترضنا وجود حسن النية وعدم الدخول في صفقات “تحت الطاولة” مع النظام, برفضها التدخل الخارجي, في ظل نظام سادي ممعن في القتل والتعذيب والاجرام ومراهن على اطفاء جذوة الحرية في نفوس الشباب السوري بالقوة العسكرية والأمنية, يضفي على نفوسهم  نزعة مازوشية تتلذذ برؤية سقوط المتظاهرين المدنيين العزل برصاص جيش مدجج بأحدث الأسلحة الفتاكة, مدعومة بقناصة لاتخطئ اصابة منطقة الرأس أو القلب.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…