صبري رسولمن المصائب الكبرى في التاريخ ابتلاء شعب مظلوم بقيادة جاهلة، انتهازية، متشبّثة بكرسي المصالح حتى الموت، وترى نفسها المركز والمحور، والشعب يدور حولها، ويبدو أن نصيب شعوبنا من هذه الآفة أكبر من أي شعبٍ آخر.
إنَّه قدرُ الجغرافيا والتاريخ، وسيطرة أمم أخرى عليه لاستغلال قدراتهم المادية والبشرية، وقدر اعتلاء الجهل والجهلاء على مصائرهم.
وهذا ما حصل قبل بضعة أيام في مجلس عزاء في إحدى قرى ديرك (أستميح عذراً بهذا السّرد)، حيث نفخ الإمام ريشه، وحارب هذه الفكرة، وأتى بكتبه إلى مجلس العزاء ليُثْبِتَ أنّ الأرضَ ثابتةٌ والشمسُ تدورُ حولها، دعماً لرؤية المرحوم عبد العزيز بن الباز المفتي العام السابق للديار السعودية في كتيبه (الأدلة العلمية والحسيّة لثبات الأرض ودوران الشمس) والذي قام بسحبه من المكتبات بعد تلقيه معارضة واسعة من علماء الدين.
والقيادات الحزبية الكردية ليست حالتهم أفضل من هؤلاء الملالي الذين أغرقوا الشعب الكردي في ظلام الجهل لقرونٍ عديدة، فكيف يمكن أن تكون الأحزاب الكردية طليعة المجتمع في الثقافة والثورة والسياسة ومازالت تختارُ قياداتٍ أميّة لا تحمل حتى الشهادة الإعدادية؟ (لن أشخّص أحداً لأن الصفة عامة وتنطبق على معظم القيادات الحزبية).
كيفَ يمكن لقيادةٍ لا تجيدُ القراءةَ الصحيحةَ (فكّ الأبجدية) أنْ تجيدَ القراءة السياسية، وتشارك في صياغة مصير الشّعب الكردي في سوريا، أو في كتابة دستور البلاد إن احتاج الأمر إلى ذلك؟ أليس من مفارقات القدر أنْ يشبه قادةُ شعوبٍ عجاجاً خريفياً يلتفُّ حولَ نفسَهُ لنصف قرنٍ ويضلّ طريقه؟
أليسَ هذا ناتجاً من لعنة النّبي زرادشت؟ كيفَ تجمعُ وحدةُ المهام (الدّينية والتَّاريخية) بين قيادات حزبية (أقصد الأحزاب الكردية في سورية) وبين ملالي القرون الوسطى؟
أعتقد أنّ الأجواء حبلى بجنين التغيّر، وهذه القيادات عليها مسؤولية هامة ووحيدة: العمل على تسليم مصير الأحزاب إلى قياداتٍ شبابية، من داخل أحزابها، وفكّ الارتباط بين مصير الشعب ووجود كراسيهم، فالتاريخ لا يطوي صفحاته بموت رجل، أو ترك أحدهم كرسيَه، فمَن لا يجيد كتابة التاريخ بفعلٍ تاريخيّ وحدثٍ يجعل من الناس سعداء عليهم الاستنكاف في بيوتهم.
لأنّ الحياة علّمت النّاس أنَّ لكلّ زمنٍ رجاله، ولا يصلحُ رجلٌ واحدٌ لأزمنة عديدة.
—————————
وعاظ السلاطين: كتاب للمفكر العراقي علي الوردي






