الثورة السورية وبداية انهيار المنظومة السياسية الكلاسيكية

صالح بوزان

انطلاقاً من مفاهيم العلوم السياسية فالانتفاضات التي تجري في سورية منذ أربعة أشهر هي عبارة عن ثورة، بغض النظر عن أراء من يؤيدها ومن يعارضها.

وهي ليست بنت اللحظة، ولا صدى مباشراً للثورة التونسية والمصرية كما يقول بعضهم.

إنها نتيجة تراكمات عاناها الشعب السوري خلال نصف قرن.

هي في الحقيقة بنت ذاتها لبنة لبنة.

ولهذا أدهشت الجميع.

أدهشت النظام, وأدهشت عامة الشعب السوري, وأدهشت العالمين العربي والخارجي, كما أنها أدهشت القائمين بها.

فهؤلاء المنتفضون لم يتوقعوا أن تمتد انتفاضتهم بهذه السرعة في بنيان المجتمع السوري المتعدد القوميات والطوائف، وتجمعها في مسار واحد.
تميزت هذه الثورة بالطابع السلمي.

فالمتظاهرون لم يرموا حتى الحجارة في وجه عناصر الأمن والجيش، وابتعدوا كلياً عن التدمير والحرق.

ربما تسلل بعض العناصر المغرضة في صفوفهم، ربما اندس بينهم من أراد تشويه سمعتهم، وقاموا بما يخالف أخلاق المنتفضين وتطلعاتهم.

لكن هؤلاء المغرضون والمندسون لم يستطيعوا التأثير على مسار الثورة، ولا تغيير أهدافها.

لقد بقيت هذه الثورة عظيمة بسلميتها, بغض النظر عن ردات الفعل من قبل بعض المنتفضين تجاه القمع اللامعقول من قبل النظام، والتي سرعان ما تقلصت.


من أهم خصائص هذه الثورة، أنها جاءت انقلاباً على المنظومة السياسية الكلاسيكية في سوريا.

ونموذجاً لوحدة تطلعات تياراتها الجديدة.

فهي غير محصورة  بفئة دون أخرى.

إنها تشمل كل مكونات الشعب السوري بقومياته وطوائفه.

والملفت للانتباه أن هناك قسم من المتظاهرين في بعض المناطق خرجوا من بين قواعد حزب البعث وشبيبة الثورة (المنظمة الرديفة لحزب البعث) والتحقوا بالمنتفضين.

ولهذه الحقيقة دلالة مهمة.

فهي تبين أن هؤلاء البعثين أيضاً مقتنعين بالتغيير الجذري الذي يستهدف من جملة ما يستهدف تسلط حزب البعث على مقدرات الشعب السوري.


إن التغيير الذي يدعو إليه المنتفضون تغيير واسع الطيف.

فهو لا يقف عند حزب البعث، بل يتعداه ليشمل ما تسمى جبهته الوطنية التقدمية وأحزابها.

هذه الأحزاب التي تخلت عن أهدافها مع الزمن وتحولت إلى رداء عتيق لحزب البعث.

إن الثورة في طريقها إلى لفظ كل البنية السياسية الكلاسيكية التي تعود إلى القرن الماضي.

هذه البنية التي تتعايش مع خمول ذاتي غير قادر على التفاعل مع الشعب وقضاياه المصيرية
ما يلفت الانتباه أن هذه الثورة دخلت في عمق المجتمع الكردي السوري.

فالشباب الكرد المنتفضون استطاعوا كشف اهتزاز مواقف الأحزاب الكردية التي فاجأتها الانتفاضة.

هذه الأحزاب التي فشلت في إدخال فكرة الحقوق الكردية العادلة إلى داخل المجتمع العربي السوري (بغض النظر عن الطابع الشوفيني العام الذي كرسه حزب البعث في سوريا).

لقد استطاع هؤلاء الشباب أن يبرهنوا عملياً، للشعب الكردي السوري قبل العربي، أن طريق الحقوق الكردية تمر من خلال هؤلاء المنتفضين وليس خارجهم، وأن الوطنية السورية لا تقبل الخصخصة والمفاهيم الأيديولوجية الضيقة.
إن شعار”واحد..واحد..واحد..

الشعب السوري واحد” هو صرخة من ضمير الشعب السوري ترفض تلك المفاهيم العجيبة من الوطنية والقومية والطائفية التي كرستها الأحزاب السياسية الكلاسيكية في عقول الناس.

هذه المفاهيم التي كانت تخلق الحذر والتشكيك فيما بين مكونات الشعب السوري.

ولعل جوهر هذا الشعار هو أنه يتضمن جدلية التنوع في الوحدة.
بقدر ما تحمل هذه الثورة من أهداف عظيمة، فإن الخطر عليها أيضاً كبير.

ولعل الخطر لا يأتي من جانب النظام فقط، فأجندة النظام واضحة بالنسبة للمنتفضين.

بل قد يأتي الخطر من جانب المعارضة الكلاسيكية التي أخذت تركب موجة الثورة وتسعى لتطويعها ضمن مفاهيمها الكلاسيكية التي عفا عليها الزمان.

وخير مؤشر على ذلك هو مؤتمر اسطنبول الأخير الذي كشف عن منطق القائمين به.

هذا المنطق الذي لا يختلف عن منطق حزب البعث في مسألة الإقصاء وتجاهل حقيقة الشعب الكردي في سوريا.

هناك أطراف في المعارضة السورية تريد جعل الديمقراطية والإسلام وسيلة لصهر الشعب الكردي وإبعاده عن هويته القومية.


المسألة ليست مسألة “الجمهورية السورية” أو “الجمهورية العربية السورية”.

فالأكراد لم يكونوا في نعيم الحرية في عهد الجمهورية السورية.

بل ممكن القول أن الغدر بالأكراد بدأ منذ ما بعد الاستقلال مباشرة.

فبالرغم من تضحيات الأكراد في النضال الوطني من أجل الاستقلال لم يعترف دستور 1950 بالحقوق الثقافية للأكراد.


الأكراد لا يفكرون بسرقة سوريا من العرب.

وليس لديهم أية مشكلة مع الشعب العربي والأمة العربية.

وهم يقرون بأن الثقافة الإسلامية هي جزء هام من ثقافتهم كما هي الحال بالنسبة للعرب.

لكن الأكراد لا يريدون سرقة سوريا منه أيضاً.

ما يريده الأكراد في هذه المرحلة من التحول في سوريا أن تكون هناك إشارات واضحة على عدم تكرار تجربة الماضي والتنكر لحقوقهم بعد أن تحقق الثورة أهدافها.

إن التاريخ يعلمنا أن كثيراً ما كانت ثورات المظلومين عرضة للسرقة من قبل لصوص الثورات.

هؤلاء اللصوص الذين كانوا يختطفون هذه الثورات ويعيدون المظلومين إلى وضعهم السابق.

وأخيراً أريد القول أن هذه الانتفاضات لم تأت كمجرد رد فعل تجاه النظام المطلق وسلطة الحزب الواحد فقط.

بل هي قبل كل شيء مسعى لإعادة بناء المجتمع السوري على قاعدة تؤسس لمفهوم جديد للوطنية والشراكة تجد فيها كل القوميات والطوائف والأديان ذاتها، وتتمتع بحقوقها من خلال تعزيز هذه الوطنية الجديدة التي ستؤسس بدورها لجمهورية عصرية تجعل من سوريا عروسة الشرق من جديد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حوران حم في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون أخطر التحديات تلك القادمة من الخارج، مهما بلغت قسوتها، بل تلك التي تتسلل إلى الداخل بهدوء، وتُعيد تشكيل الوعي، وتُربك الاتجاه، وتُفكك البنية من حيث لا نشعر. ولعلّ أخطر ما أصاب الحركة الكردية عبر تاريخها الحديث، ليس فقط حجم الاستهدافات الإقليمية والدولية، بل ذلك المرض المزمن الذي تكرّر بأشكال مختلفة: الانشقاق… وما…

عمر إبراهيم بعد أربعة عشر عامًا من الحرب السورية، لم تعد القضية الكردية مشروعًا عسكريًا بقدر ما أصبحت اختبارًا سياسيًا لمستقبل الدولة نفسها. فالأكراد، الذين ملأوا فراغ السلطة في الشمال الشرقي خلال سنوات الصراع، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد تحكمه التوازنات الإقليمية والدولية أكثر مما تحكمه القوة على الأرض. تراجع الحديث عن الاستقلال أو الفيدرالية الواسعة، لصالح طرح أكثر…

صديق ملا عزيزي العربي السوري : الكورد ليسوا ضيوفا في سوريا …??.!! بعض الكورد الذين هجِّروا من تركيا بعد ثورة الشيخ سعيد إلتجؤوا إلى (الدولة الفرنسية) وليس إلى الجمهورية العربية السورية وسكنوا في المناطق الكوردية بين أهلهم وإخوانهم الكورد . وأول وفد عربي ذهب إلى (سيفر ) وطالب بالدولة السورية كانت جغرافية دولته من انطاكية مرورا بحلب دون شمالها وحماه…

د. محمود عباس قبل فترة استُهدفت ليلى زانا، واليوم سريا حسين، وغدًا قد تكون كوردية أخرى. ليست القضية في الأسماء، ولا في اتجاهاتها السياسية، بل في النمط الذي يتكرر بإيقاعٍ مقلق، المرأة الكوردية تتحول إلى ساحة اشتباك. ما يجري لا يمكن اختزاله في (نقد عابر)، كما لا يجوز إنكار وجود أخطاء أو اختلافات داخلية، فذلك جزء طبيعي من أي مجتمع…