بايّ حقٍّ عُدْتَ يا عيد رمضان 2020 ؟!

نوري بريمو

كانت الأعياد فيما مضى محطات تعمّها الطقوس المفعَمة بالأفراح والمصالحات وتمتين صلات الرحم وعيادة المرضى وزيارة المقابر و…إلخ، إلا أنها بفعل عوامل سلبية كثيرة انقلبت رأساً على عقب وباتت بغالبيتها مناسبات مشؤومة ومكتظة بالحرمان والفاقة وإفتراق الأرحام في هذه الأيام السورية العصيبة التي أضحى الناس فيها ضحايا للنزاعات الطائفية والعرقية وللحروب الدموية والتهجير بالجملة والقتل على الهوية وصارت قلوب السوريين -المغتربين منهم  والباقين في البلد- تتلوّع وتعتصر بالأحزان والتحسّر واليأس ويردّدون بينهم وبين أنفسهم عبارة: “أيا ليتت أعياد زمان تعود يوماً”!.
وبما أنّ الأعياد لا تنتظر أحداً وتتوالى ولسان حال السوريين المنتشرين في كل مكان يقول: العين بصيرة والأيدي قصيرة لأنّ أسعار المواد أضحت بالعلالي وقيمة الليرة غرقت بالوطاوي!، وبما أنّ سارقي قوت الشعب وقاتليه ومشرّديه قد اختلسوا بلا رحمة بسمة الأطفال وفرحة آبائهم وأمهاتهم قبل أن يحلّ العيد على ديارهم التي حولها الحكام والمتطرفون وتجار الحروب إلى خرابات يغزوها البؤس والشقاء والحرمان والفاقة والفجائع، فإنّ العيد بات مجرّد اسم شكلي ليوم حزين ولا يختلف كثيراً عن أي يوم آخر تعكرتْ صفوة الحياة فيه تحت سطوة مظاهر الحاجة لأبسط الأمور والفجع بأعز الناس الذين خسرهم أهلم في حين غرّة حينما فارقوهم إلى المقابر أو السجون أو عالم الهجرة والضياع في شوارع العالم لا لذنب إقترفوه سوى لأنهم ليسوا من الموالين لأهل الحكم أو للميليشيات المسلحة التي تسرح وتمرح في ظل غياب الحلول السلمية التي حوّلت سوريا إلى ساحة حرب طائفية وعرقية مفتوحة على كافة الإحتمالات.
ورغم أنّ عيد الفطر الذي سيحلّ علينا يوم غدٍ سيكون ضيفاً ثقيلاً ومثقلاً بهموم جديدة لا طائل عليها، لأنّ الأيتام سيستذكروا صور آبائهم الشهداء والأمهات الثكلى ستحنُّ لأرواح أبنائهن والنساء الأرامل ستشتاق لقامات أزواجهن الذين خطفهم القتل أو السجون أو الإغتراب خارج الوطن أو داخله أو…إلخ، ولكنْ ورغم تراكم الأعباء والمآسي والويلات فإنّ التفاؤل ينبغي أن يبقى سيد الموقف في كل الأعياد والمناسبات التي قد تجعل الناس يتناسوا جراحاتهم ويتظاهروا بالتسامح مع عيدهم وإكساء وجوههم بإبتسامات مصطنَعة تخفي وراءها حرقة في أفئدتهم وعيونهم التي إن جئنا إلى الحقيقة فإنها أصبحت تذرف دما وليس دمعاً!؟، ويحمِّلوا العيد مزيداً من الأماني والآمال رغم جسامة الآلام، ويودِّعوه مثلما استقبلوه ليمضي الوقت ويسرق من أعمارهم  حتى يتفاجأوا بقدوم عيدٍ جديد قد يكون أكثر سوءاً وقتامة من سلفه.
وفي كل الأحول ليس بالوسع سوى المعايدة والقول: كل عام وأنتم بخير وصحة وعافية…وعيد فطر سعيد وينعاد عليكم باليُمْنِ والبَرَكة والحمدلله على كل حال و…الخ، ولكنّ هذه العبارات التبريكية التي نرددها فيما بيننا بمعية ملايين الآدميين في صبيحة كل عيد، قد أضحت مع الأسف الشديد مجرَّد مجاملات وجاهية يجري تبادلها جزافا في سياق ممارسة عاداتنا المتوارَثة عن آبائنا وأجدادنا، بعد أن فقدت أعيادنا الحالية لغالبية طقوسها الدينية والإنسانية ولمعانيها الاجتماعية التي بات الحنين إليها لا يفارق خيال أجيالنا التي عايشت أعياد أيام زمان التي يبدو أنها أمست في خبر كان ورحلت بلا رجعة عن دنيانا المكتظة بالمظالم والحرمان والشعور بالغبن والقشعريرة والغربة عن الأهل وعن الديار التي باتت تُضْرَس بين رحى طواحين العنف والعنف المضاد في ظل حدّية الصراعات الداخلية وحميّة التدخلات الإقليمية والدولية وفي غياهب مصالح هذا العالم الذي لا يرحم الضعفاء.
 (22-5-2020)

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين الحديث عن مسؤولية «الكرد» عن ممارسات قوات سوريا الديمقراطية، وتحميلهم جماعياً نتائج سياسات وممارسات هذه القوة، هو خلط سياسي وأخلاقي لا يخدم الحقيقة ولا وحدة البلاد. أولاً: قسد لم تدّعِ يوماً أنها تمثّل الكرد السوريين ، ولم تكن مفوضة بالحديث باسمهم. بل إن مشروعها السياسي، منذ نشأته، قام على مفهوم «الأمة الديمقراطية»، وهو تصوّر عابر للهويات…

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…