عندما تتدثر الأيديولوجيا الكردية بثوب العاطفية!

حواس محمود
كان الشعب الكردي في سورية يعول على الأحزاب الكردية في
حال تعرض سورية والمناطق الكردية إلى اهتزاز كبير، أو حدث جلل كما الثورة السورية
المباركة.. وصولا إلى الأزمة المزمنة الراهنة التي يمر بها كل الشعب السوري، ومنه
الشعب الكردي! 
 
ولكن وخلال فترة سنة من انطلاق الثورة، وخروج الآلاف من الشباب
الكردي المتحمس والمحتقن من فترة الاستبداد
والفساد، آلت الأحزاب الكردية أن تتوجه بالشك والريبة من تحرك الشباب الكردي
الثوري، وهي بهذا الموقف كانت تنطلق من حالة عدم الثقة واللايقين من حدوث أي اهتزاز
للسلطة، وكذلك خوفا وهلعا من انتقام النظام من الشباب الكردي وبالتالي كرد سوريا
عموما، دون امتلاك القدرات الفكرية التحليلية الكافية، لتلمّس واستشعار ومعرفة
جديد الشباب الكردي وجديد الحراك الشبابي وجديد سوريا عامة؛ ولذلك اتهمت الشباب
الكردي بالعبث والتهور والطيش وعدم الانضباط!!!
وخلال المظاهرات الشبابية والشعبية العارمة في شوارع القامشلي
مثلا، كان التوجه المسموح به من قبل الأحزاب الكردية بعد انضمامها للمظاهرات
الشبابية هو الانطلاق من جامع قاسمو إلى الهلالية، دون السماح للشباب بالتوجه إلى
مركز المدينة وعندما كان الشباب يخرقون هذا القرار كان يحدث اصطدام مع قوات الأمن
السورية دون موافقة الأحزاب الكردية ، إلا أن حزب ال ب ي د وهو الفرع السوري لحزب
ال ب ك ك عقد صفقات أمنية مع النظام بحجة حماية المناطق الكردية ، من الجيش الحر
وفيما بعد من داعش والنصرة .
 

لكن موضوعنا الحالي هو لماذا رغم كل الأخطاء التي ارتكبها ال ب ي د
والتي تأتي بالضد من خدمة القضية الكردية والشعب
الكردي في سوريا ، ألا أن ذلك لا يشكل نقطة فهم سياسي واضحة بالابتعاد عن مثل هذه
الأيديولوجيا ، إذ ينخرط العديد من الشباب في صفوفه وكذلك قسم لا يستهان به من الجماهير
ويدافعون عنه فقط لأنه يرفع شعارات قومية رغم أنه أعلن صراحة انه ليس مع الدولة
الكردية ، ورغم انه قدم خسائر مجانية للنظام من خيرة الشباب الكردي في تل براك وتل
حميس وهما ناحيتان تابعتان لمحافظة الحسكة ، تأخذ العاطفة القومية منحى منحرفا
لايأتي بأي نتيجة ايجابية للكرد في سورية ، فالدخول في صفقات مع النظام في ظل ثورة
سورية مشتعلة وصراع محتدم بين المعارضة والجيش الحر من جهة والنظام وميليشيات حزب
الله من جهة ثانية ، وضرب المتظاهرين بعامودا حزيران 2013 والقيام بالخطف
والاغتيال وسجن أحرار الكرد والتضييق على الشباب والمثقفين وقمع الحريات ، إلا أن
العديد من الكرد يتعاطفون مع هذا التنظيم ويدافعون عنه ، فقط تصديقا لمقولاته
الديماغوجية بحماية الكرد رغم انه يستفرد بالقرارات وهو الذي يترأس ويقود الإدارة
الذاتية في المناطق الكردية.

 

هناك سيكولوجيا الإنشداد إلى العاطفية والشعاراتية المحمومة وغياب
الفكر والتحليل الفكري، في ظل غياب المؤسسات
الفكرية والبحثية الكردية، ورغم وجود شخصيات فكرية وثقافية كردية تؤشر لمكامن
الخطأ ومواضع العطب إلا أنها لا تلتفت لذلك، وإنما تهتم بالأغاني الثورية والصرخات
الحماسية والتصريحات النارية، بصورة أشبه ما تكون إلى قناعات الجماهير العربية
للزعامات الكاريزمية العربية والأيديولوجيا البعثية والناصرية ،إنها سيكولوجيا
الكردي المقهور، الذي لا يجد في نفسه قدرة أو لبنة قوية لتشكيل الكتلة الثورية
الواعية والقادرة على معرفة المصلحة الكردية ، وعدم الإنجرار وراء تنظيمات تحاول
أن تتاجر بقضية الشعب الكردي والقومية الكردية برفع شعارات المزاودة والمتاجرة،
وهذا يتطلب دراسة الحالة السيكولوجية للجماهير الكردية، التي تنزلق إلى مواطن
الخطأ فتأتي الخسائر تلو الخسائر، دون معرفة بوصلة السياسة الصحيحة المنقذة للكردي
، فيضيع مع انهيار الأيديولوجيا الثورجية النارية، وهذا حصل مع البعث والناصرية
وهذا ما حدث في سورية مع بشار الأسد ووالده اللذان كانا يترفعان عن التنازل عن
بضعة أمتار لاسرائيل بالجولان ويتفاخران بذلك ، لكن بشار نفسه تخلى عن مليون مواطن
سوري بين قتيل وجريح وعشرة ملايين مشرد معرضين للذل والاهانة والتسول في شوارع
الدول المجاورة والعالم ، وكل هذا فقط لكي يبقى دكتاتورا متربعا على كرسي الحكم في
سوريا.

 

الآن مع الكرد وبخاصة كرد سورية
تتكرر الآية إذ تنجر الآلاف للتصفيق لأيديولوجيا مشابهة لأيديولوجيا البعث المدمرة للعرب ،أيديولوجيا قوموية تتخذ من شعار
القومية ستارا لها، وقوة أيديولوجية عاطفية لاستقطاب عدد كبير من الجماهير عبر
السيطرة الخطابية والإعلامية على أدمغتها، مما يؤدي إلى حالة من التبعية
الأيديولوجية بفعل حالة أشبه ما تكون لغسل الأدمغة والتأثر بالهالات الخطابية والتحريضية،
والتي في حقيقتها تبتعد كثيرا عن طموحات واسترتيجيات المصلحة الكردية، نحن كمثقفين
مطالبون بالتوقف على هذه النقطة الهامة ومعرفة سبب الإنجرار للهالات الشعورية
الرنانة والهوامات الأيدولوجية الغارقة في الخيال والبعيدة عن ملامسة الواقع
ونقاطه وحيثياته وإحداثياته، ورغم وجود نقد لاذع لهذه الايدولوجيا إلا أنها تستمد
استمراريتها من تبعية العديد من الجماهير لها ولخطابها الأيديولوجي الغير قائم على
ضرورة معرفة الواقع وإشراك كل القوى الكردية ، لحماية حقيقية للمناطق الكردية،
وكذلك التعاون والتنسيق مع كل مكونات المنطقة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…

شادي حاجي في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟ ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية. فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن…