كُردستانيات 9- متحف كوباني، وبعد..

 ابراهيم محمود   

 وأرى أن الإصرار على تحويل مواقع في كوباني
الكردية المنكوبة إلى متحف، لتخليد آثار جرائم داعش الإرهابي ومن معه، يجرّد
التحرير من فرح الانتصار، ويُعد كوباني لمأساة لم يحتَسَب لها، إنه إصرار يعرّف
بمدى سعي المعنيين بـ” الإدارة الذاتية ” على رغبتهم في فرض سلطة تجعل
من كوباني أشبه بمحميّة لهم يمكنهم التصرف فيها كما يريدون خارج إرادة أهلها
الكرد، والاستخفاف بهم عملياً. 
 
وأرى أن إصرار أولي أمر الإدارة الذاتية على
” نصْب ” متحف، على هواها، هو أبعد من حدود إبراز فظائع إرهابيي داعش، إذ إنها
تريد وضع الكوبانيين في نطاق التالي: لا سلطة تعلو سلطتنا، وهو إقرار من نوع آخر،
من أولى أولوياته: إقرار المتحف قبل بناء ما دُمّر وكيفية عودة النازحين والمشردين
من أهلها إلى ديارهم .
وأرى أن بنية الإدارة الذاتية تعلِم أهل
كوباني بلزوم إعداد أنفسهم لعلاقة مختلفة عما سبق، وهي في منع الاعتراض على أي
قرار يخص ليس كيفية التخطيط لكوباني ” المدينة “، وإنما حتى مقدّراتها،
وما في ذلك من إيحاء مباشر ومؤلم ببدء مرحلة أخرى من ” دمار ” آخر
نفسياً . 
 
وإذا كان لي أن أفصح عن ” نواياي ”
خارج منطق الإدارة الذاتية ، وهي إرادة ذاتية شديدة التمركز، فألخصها في التالي: التذرُّع بأن
إبقاء مواقع/ أماكن/ جهات.. إلى متحف ليعرف من يهمه الأمر طبيعة داعش في تخريب
كوباني، يُرَدُّ عليه، بأن ما تعرضت له كوباني، من أوجه خراب وموضوعنا كوباني هنا،
قد تم تصويره وتوثيقه بشكل يومي، ويعني ذلك أن فتح متحف داخل المدينة، وهو يعرض
آلاف الصور التي تتيح للزائر في أن يذهب بأنظاره إلى ما وراء المعروض، إلى جانب
مشاهد” صوت وصورة ” تبيّن المقاومة الباسلة للكُرد في تحرير كوباني
طبيعة، تعبير حي ومدني يبقي الكوبانيين أكثر فرحاً بما تحقق، وتقديراً للمقاومة
السالفة.
 

وللتوضيح أكثر، ولمن يهمه أمر الجاري: لقد
دمّرت مدن كبرى في الحروب، مثال ذلك: برلين، درسدن، وغيرهما في ألمانيا، ولكن لا برلين
ولا درسدن تم التصرف فيها كما هو المقرَّر في كوباني..لقد عمّرت هذه المدن، وبقيت
الوثائق تتحدث.. ومثال أكثر قرباً: بصدد جدار برلين الذي أزيل سنة 1989، بين
البرلينيتين، لم يُبق منه سوى ما يشبه النصب” عمود صغير، إلى جدار صغير معروض
مقوس، يحمل خارطة صور كبيرة تُري الناظر ما حل ببرلين في الحرب العالمية الثانية
من فظائع في الخراب العمراني وغيره.

 

إن الإصرار على إبقاء مناطق مقتطعة من
المدينة على حالها، بمثابة إبقاء جرح الكوبانيين نازفاً وبمحرّض من أولي أمر الإدارة الذاتية فيها،
جرح لا يلتئم، ومن جهتين: ليعيش هؤلاء هول ما جرى، وبأم أعينهم صباح مساء، وما في
ذلك تعميق للجرح وبلبلة في الوعي، والأفظع من حيث المآل: ليعلموا أنهم داخلون في
لعبة المخطط وما يعنيه ذلك من تجريدهم من حق التصرف بمدينتهم، أي بمصيرهم وهم أهل
المكان، أهل المواقع التي تم نزعها من أهلها.

إن المضي في تقديم الحجج على أن تخصيص متحف
بالطريقة السالفة، لا صلة له إطلاقاً، في المضمون، وبالمفهوم الحضاري- المدني،
بتخليد انتصار كوباني الكردية على الغزاة، إنما بتأبيد سلطة تخرِج كوباني عن نطاق
إرادة أهلها المنكوبين، بقدر ما يترجِم الطريقة التقليدية الشمولية الطابع في
تصوير المواقف، ومقصد التاريخ فيما تقدَّم .

 

إن ضرب أخماس أولي أمر الإدارة الذاتية
بأسداسهم، هو الدخول في مزايدات كردوارية وحتى التصرف بالصادر والوارد الماليين
والاجتماعيين والسياسيين وبأسلوب مميَّز بعنف ضاغط، وهو ما يؤسَف له أشد الأسف:
أولاً، ما لا يُنسى من بطولات كردنا: البيشمركة والمدافعين والمدافعات من ypg، وypj ، والذين قدِموا من الخارج من العرب، حيث امتزجت دماؤهم في وحدة بطولة
وشهادة واستشهاد وتأكيد على ما هو إنساني أيضاً، وبالمقابل، وهذه تأتي ثانياً: ما
لن يُنسى فيما هو خطّط لكوباني متحفياً بالطريقة المقرّرة، بما أن الآتي هو ما يجب
على أهل كوباني الإستعداد له في تغيير خارطة المكان، وضمناً إعادة توزيع أماكن
إقامات أهلها. 

 
لقد جرَّب الكرد في كوباني ومن هم من الخارج
وفي مناطق بعيدة في الخارطة الكردستانية ظلم ذوي ” الغربا..” ممن ليسوا من
جنسهم ولغتهم على مدى عهود طويلة ومفجعة، وأخشى أن يكون ظلم ذوي القربى بالطريقة
هذه، هنا وخارج ” هنا ” حيث يقيم الكرد، وهم في ” حيص بيص ”
من كردهم الواقفين على رؤوسهم، أشد إيلاماً واستحكاماً بمقدراتهم النفسية وغيرها،
طالما أن ظلم الغريب يبقي قادماً من الخارج، ويمكن تسميته ومواجهته به، أما ظلم
القريب ” من لحم الكردي ودمه “، فهو يستمر في توسيع الجرح داخلاً، وربما
تهيئة أهله لآلام مبرّحة يُمنع عليهم التعبير عنها، حتى لا يشمت ” الغريب
“، أو حتى لا يُستدعى الغريب هذه المرة!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…