نحن وما بعد الانتخابات التركية

جان كورد
حاول العنصريون والإسلاميون الأتراك منع أو إعاقة حصول حزب الشعوب الديموقراطية على أكثر من نسبة 10% من أصوات الناخبين على مستوى البلاد بهدف دخول البرلمان، وهي النسبة المطلوبة والعسيرة التي كانت تعرقل على الدوام مساهمة كل حزبٍ كوردي في الحياة السياسية لتركيا، ولكن هذا الحزب لم يدخل البرلمان رغم كل التحديات فحسب وإنما حاز على أصواتٍ تزيد عما حصل عليه العنصريون أنفسهم، إلاّ أن هذا لم يؤثّر في صد الرئيس أردوغان عن تحقيق مشروعه القاضي بتحويل النظام السياسي لبلاده من البرلماني إلى الرئاسي، بعد أن حل النظام البرلماني محل نظام الحزب الواحد في انتخابات 1946، والمؤسف جداً هو أن رئيس حزب الشعوب الديموقراطية (هادب) السجين حصل كمرشح للرئاسة ومنافس للسيد أردوغان على نسبةٍ من الأصوات تقل كثيراً عما حصل عليه حزبه، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن بعض رفاقه أرادوا ذلك فمنحوا أصواتهم لمرشحٍ آخر، ربما لصفقة سرية لا نعلم عنها شيئاً أو لأنهم يريدون التخلّص منه وخاصةً لأنه متهم بمساعدة الإرهاب ومعتقلٌ بسبب تلك التهمة التي لا نعرف أهي صحيحة أم غير صحيحة.
وتأتي هذه الانتخابات في الوقت الذي تسيطر قوات عسكرية تركية على مناطق هامة في شمال سوريا، منها منطقة عفرين الكوردية، حيث مقاتلو التنظيمات الإسلامية القادمة مع الجيش التركي، والمدعومة ب”فتوى” دينية من أكثر من 20 شيخ من شيوخ السنة مشجعة لهم على الغزو، يقومون بارتكاب كل أشكال السلب والنهب والتقتيل والتهجير والاستيلاء على ممتلكات الكورد تحت أنظار الجيش التركي ومسامعه، وفي الوقت الذي دخلت القوات التركية مناطق واسعة من اقليم جنوب كوردستان، وتهدد باقتحام جبل قنديل، أهم معقلٍ جبلي لحزب العمال الكوردستاني، وباحتلال المنطقة الكوردية الواسعة في شرق الفرات السوري أيضاً، أي أنها انتخابات أثناء الحرب والاحتلال، وهذا ما يثير مشاعر الفخر والاعتزاز بالجيش التركي لدى عامة الأتراك، ولربما هو السبب الأهم في أن أكثر من 52% من الناخبين الأتراك، والمتواجدين منهم في البلدان الأوربية خاصةً، منحوا أصواتهم للسيد أردوغان وحزبه، بعد أن فقدا قبل ذلك الكثير من التأييد لهما في الساحة التركية، نظراً للمشاكل العديدة في البلاد ومن أهمها انخفاض سعر الليرة التركية إلى الحضيض مقابل العملات الأجنبية الهامة، والفشل في حل القضية الكوردية حلاً سلمياً أو عسكرياً حتى الآن، ولما عليه الوضع المزري لحقوق الإنسان في تركيا، والعزلة السياسية التي فيها البلاد من جراء السياسات الخارجية السيئة للحكومة… 
فكيف على الكورد التصرّف حيال هذا النظام الجديد في تركيا، الذي له مواصفات وطموحات وأهداف جديدة، وماذا يجب القيام به لانتزاع الحق القومي لشعبنا في المرحلة القادمة، وكيف يمكن ابعاد شبح الاحتلال التركي الكامل لغرب وجنوب كوردستان؟ 
برأيي، هو أن يدعو السيد رئيس الحزب الديموقراطي الكوردستاني، مسعود بارزاني المحترم الذي تثق به جماهير شعبنا في مختلف أرجاء كوردستان، إلى لقاءٍ واسع يضم مسؤولي أحزاب وحركات الأمة الكوردية، وكذلك اتحادات وجمعيات ومنظمات المجتمع المدني ومثقفين وخبراء في مخالف المجالات، ويتم في هذا اللقاء الذي يجب أن يكون قصير الأمد، لا مجال فيه للكثير من المدائح والتنظيرات الواسعة، بهدف وضع أساس مشترك ومتين للعلاقات العامة مع السياسة التركية التي ستكون مغايرة كثيراً عما سبقتها من سياسات حتى الآن، وعلى ذلك الأساس تحمل معها الجهات الحاضرة نقاطاً مشتركة ومتفق عليها فيما بينها بصدد ما يجب التحرّك بموجبه حيال هذا النظام الجديد الذي لابد من أن يخطو خطواتٍ ما لإنهاء الأزمات الداخلية ولتحسين العلاقات مع العالم الخارجي، فإن من الخطورة تصرّف كل جهة كوردية / كوردستانية بما يروق لها وحسب مصالحها الحزبية الضيقة وخارج إطار الاستراتيجية الكوردستانية الموحدة، إذ مضى ذلك العهد الذي كان يتصرف فيه كل زعيمٍ حسبما تملي عليه مصلحة حزبه، فالأمة الكوردية ما عادت تقبل بهكذا سياسات وإنما تريد وتسعى لبناء استراتيجيتها التي في أساسها (إنجاز الوحدة الوطنية وتحقيق الحرية والحياة الكريمة لكل مكوناتها وهذا لا يتم إلاّ بالحوار الوطني الجاد وعدم التهاون حيال الذين يضرون بمصالح هذه الأمة التي عانت ولا تزال تعاني من الظلم والطغيان… والفرقة والتشتت. 
       – ‏28‏ حزيران‏ 2018kurdaxi@live.com       

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…