عندما تحتضر مدينة هي قامشلي «عن زيارتي الأخيرة إليها ما بين 18 تموز- 19 آب 2018 »

ابراهيم محمود
12- لقاء فرهاد عجمو الذي مات وما زال يحيا 
ما صدمني على مدى أيام طوال بصدد أمور بسيطة، أنساني الكثير من الأمور، ومنها ما يخص بعضاً من الذين يمكن الاستئناس بهم أصدقاء، معارف، أهلاً. غير أن التفكير في الصديق الحاضر الغائب فرهاد عجمو كان يؤرّقني. كيف يمكن أن ألتقيه، وقد رحل ومازال حياً في آن؟ أفكّر في شخصه كثيراً حتى الآن، بوصفه صعباً جهة التعريف به، فقد كان فاتحاً باب داره، محل عمله للجميع، إنما هل كان فاتحاً قلبه، وكما يُزعَم للجميع، وهو يصافحهم عامة ؟
الخروج على القواعد العامة وأعرافها مفيد لمن يحسن تدريب ذائقته على ما هو مختلف، ولنفسه الطموح. من يسعى إلى القبض على جمر أسئلة يعتبَر طرحها هذياناً، تجديفاً أحياناً. إنما، أليس الهذيان هو في منشأه احتجاجاً على واقع ما، أليس التجديف أحياناً رفضاً لأجوبة قطعية ؟
كل من تجده، من تسأله عن الراحل فرهاد يثني عليه عموماً. نادراً ما تجد من يسمعك من يصدمك، أو يقول خلاف عبارة ” من المؤسف رحيله هكذا “. لعل هناك مشكلة كبيرة، مشكلة استثنائية تتطلب النظر فيها بعيداً عن عواطف ” معلَّبة “. إذ إن هذا الثناء العام شبيه من ينال أصواتاً بنسبة تقرب من ” 100 من 100 “، وهو ما يفجر خزّان الشبهات والشكوك .
ذلك، ما لا يحصل في أي مجتمع، أي مجتمع، ولم يحصل هكذا في مجتمع، قديماً وحديثاً. يكمن الخلل في الحالة هذه في المجتمع نفسه، أعني الذين كانوا يزورونه، أو يجالسونه وهم في أشتاتهم، وهم في ” مِللهم ونحلهم “، وهم يخرجون راضين عن مجالسته ودماثته وتواضعه.
نعم، يمكن القول مباشرة، أنه كان ودوداً، اجتماعياً، ليس لديه أي حاجز يفصل بينه وبين أي كان، إلا أن سؤالاً يطرَح مجدداً، وهو: هل يعني ذلك انتفاء الحواجز؟ أنه كان هو نفسه مع الجميع وهم سواء لديه؟ بالطريقة هذه، هل يصح اعتبار هذا النوع من التعامل سوياً، أم ماذا ؟
أسئلة تطرَح، وهي أحياناً في مقام الأجوبة. وإذ أقول ذلك، فإنني من السهل جداً استحضار أسماء، وجوه، ومقامات تتفاوت بين المتزن وما أقله، وأنصاف السوي، والمتقلبين، ومن ثم الذيليين كتاباً وخلافهم. من لهم صلة بالثقافة، وبالكردية، بصورة ما، ومن يزعمون ذلك، ومن ليس لهم صلة قرابة بالثقافة الفعلية، وإن عُرِف عنهم كتاباً ولهم حضور ما، من خلال طبيعة المستجدات، وطريقة تعاملهم معها، والفارق الكبير بين ما يقولونه عن أنفسهم وخوائهم اليومي.
أكان للراحل عجمو وزر، دور فيما جرى ؟ هناك ما هو أبعد من ذلك، أبعد مما يُتصوَّر بكثير .
فثمة ما هو معروف عن الراحل، وهو أنه على الصعيد المادي، كان مقتدراً، ورغم ذلك، فإنه لم يكن يعطي للحياة تصريفاً كآخرين، وبفارق كبير جداً: استمراره أعزب حتى رحيله. أكان فرهاد بعيداً عن الحب، وإقامة علاقات مع النساء بمستويات مختلفة؟ وفي كتاباته تُشتمُّ منها رائحة المرأة العادية والخاصة، العاشقة والعشيقة من على بعد عشرات الكيلومترات؟ أكان يشكو عجزاً في شخصه ” عنانة “، وهو ما ترفضه كتاباته، ما لا يحتاج إلى شاهد عيان حول ذلك. أكان رجلاً دون لون، دون رائحة، دون طعم ” دون مبدأ ” وهو في التنوع الهائل لعلاقاته “؟ ذلك ما يسهل دحضه استناداً إلى قصائده ذات القدرة الغنائية ومدى صلتها بحرارة اليومي، والعمق الفني الذي يترجم معايشة لهذا التنوع، والموقف من التفاوتات، أي من خلال مبدأ قائم .
في العودة إلى القلب،وحساب القلب، وبه يمكن البدء. كان صعباً فتحه لأي كان. كان متوقد الذهن، فطناً إلى طبائع الذين يزورونه أو يوقفونه في الشارع مثلاً، أو يتواصلون معه، حيث كان يعطي لسانَه الكثير من الطلاقة دون تلكؤ، دون أن يحسَب عليه أنه يجامل، أو يراوغ. كان يتصرف بإرادة ذهنية، وهي في كيفية إبقاء مقابله فيما لا يحسَب عليه، وملؤه يقين أنه بالطريقة هذه يريح روحه ولو أن قلبه كان يزداد ضعفاً تحت وطأة المستجدات، أن ذهنه يتعب حسابياً. 
لم يقطع قولاً مع أحد، ولم يدخل في مناورة شخصية، فئوية، جانبية مع أي كان، ليسجَّل عليه موقف من هذا القبيل، كان أذكى من ذلك. وهو ما كان يكلّفه عبئاً نفسياً كبيراً في الواقع.
إن عدم زواجه مدخل قويم لمكاشفة الكثير من حقيقة شخصيته، وإن كان شديد التعلق بالحب، بالجسد الأنثوي، كما تقول أشعاره. أأنا أمارس رجماً بالغيب لحظة محاولة ” إضاءة ” ما هو معتم في حياة هذا الإنسان المختلف؟ ربما يمكن لهذا العزوف عن الزواج وبعد هذا العمر الستيني تقريباً، أن يكون رد فعل قويماً ورفضاً لهذا البنيان المجتمعي الكردي المنخور. كما لو أنه أراد أن يقول لمن يريد الوقوف على حقيقة الأمر: لكم كتاباتي، لكم حياتي من خلالها، إنما حياتي التي بها عشت، وتكتمت عليها، فهي تخصني، وفي وسعكم تعقبها بعد رحيلي.
أن يتزوج فرهاد، أن تكون له عائلة: زوجة وأولاد ” خلفة “، وأنَّى نظر المرء يجد ألوان زيف، فذلك ما يصدم أخلاقية المعتد بنفسه، وهنا كان زهده، ولم يكن زاهداً بالعطاء .
أعتقد أنه في مرضه الرهيب وبمأسويته الخاصة، أفصح عن عمق هذا التوجه. كما لو أن مرضه ” الوقح ” كشف عن تلك ” المستمسكات التي تدين مجتمعاً في أغلبه: مجتمعه الكردي، والذي لم يكن له مجتمع جهة الاستقلالية. أكان هروبياً ؟ ربما، إنما لئلا يأتي من هم من صلبه وينخرط في لعبة مقيتة، يصعب التفريق فيها بين الكردي الفعلي والآخر المزيف.
إهماله، تركه في مصيدة المرض الفتاك، والحجْر النسبي عليه، وتقطع المعلومات عنه، ليموت قبل موته، كما كتبت عنه ذات يوم قبل رحيله وقد أرعبني بحالته، بعزلته المريعة تلك، كل ذلك شهود عيان على هذه ” الرؤيا ” على أن فرهاد رحل، استجابة لروحه الساخطة من حولها.
أحسب أن ما جاء في كتابات أغلب من أرادوه ” طُعماً ” للفت الأنظار، لإبراز مأثرة تعظيم الآخر المنكوب حياً وميتاً، لا يعتد به. ما أعلم به حتى الآن، هو أن الكاتب محمد سيد حسين، قد نشر عنه كتاباً بالكردية، وهو في التشيك، يتطرق فيه إلى ما كانا يتجاذباه حوارياً في لقاءات تكررت بينهما في قامشلو، حيث كان معافى وقتذاك، كما أعلمني هو نفسه طبعاً، إنما ليس في وسعي الجزم بما هو مثار فيه بالنسبة لعمرانه النفسي، إلا بعد الاطلاع عليه !
رحل! كلمة كنت أرددها وأنا في الطريق إليه، وأنا أستحضر مشاهد ، صوراً للقاءات جمعتنا معاً في أكثر من مكان، وقد رحل آخرون قبله، وبعده. ثمة صورة أنشرها بهذا الصدد !
وما سُعي إلى إظهاره عند رحيله النهائي، في أمكنة مختلفة، تأكيد آخر، على أن هذا المحتفى به لم يكن فرهاد عجمو المعذب في روحه، والجاري عزله عقاباً ما، لا يستحقه، إنما فرهاد آخر، هو هذا الذي أراده جل الذين تعاملوا معهم، بين زئبقي وأمعي ومتذبذب ورعديد ومدعى ثقافة.
في يوم ” 18 -8 / 2018 ” وكان يوم الجمعة، أي قبل عودتي إلى إقليم كردستان بيوم، رغبت في زيارة الغرفة التي تعانقنا فيها، قبل رحيله بفترة، والتقطت صوراً عن هذا اللقاء ” سأنشر صورة تخصه “، أن أشم رائحه، أن أعيش حضوره ولو لبعض الوقت. إلا أنه من المؤسف جداً أنني لم أجد أحداً يفتح الباب لي، ولا أعلم أين كان ” أهل البيت/ الدار ” لأرجع مخذولاً، وقد زدت تألماً مما أنا فيه. جل ما لجأت إليه، هو أنني صورت الصورة الشخصية له، والمعلقة أعلى باب بيت أهله الكبير، وهو ممتلئ صحة؟! وفي الأسفل عبارة: أمير الشعر الكردي:
Mirê  helbesta kurdî  !
أهكذا يُفعَل بأمير الشعر يا تُرى ؟ يا للظلم الكردي، والغباء الكردي، فيما لا يُحتسَب له !
ودعته في صمت، وأنا ممتلئ قهراً عليه .
تُرى، من حل، من يحل محله، في فتح أبوابه كلها لمثل هاتيك الأنماط التي ذكرت، من يبرز مثل فرهاد عجمو ؟ عندما أسمع من أحد، من شخص ما، أن هناك من أفلح في ذلك، حينها سأقول: لم يمت فرهاد عجمو. إنما هيهات… هيهات …  هَيْـ ..هات !
نصف الجالسن هنا تقريباً ، قد رحلوا، من اليسار: أبو جوان، فرهاد عجمو، وهو يتوسطنا:
 الفنان سعيد يوسف وأنا، وعن يميني الشاعر : فرهاد جلبي .
صورته أعلى باب بيت أهله الكبير
فقط لتتذكروا فرهاد عجمو ودلالة المشهد

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….