لا نوبل ولا سواها تداوي جرح ناديا مراد النفسي

 ابراهيم محمود
انتهت المسرحية. أتراها انتهت حقاً، هذه التي يسمّونها جائزة نوبل للسلام التي ذهبت هذا العام ” 2018 ” مناصفة إلى ناديا مراد من ” الطائفة الإيزيدية ” إلى جانب الطبيب الكونغولي  موكويجي، لحربهم جرائم الاغتصاب والعنف  الجنسي والجسدي؟ 
هل يمكن لهذه الجائزة أن تنسي الكردية الإيزيدية ، وليس ناديا مراد ” من الطائفة الإيزيدية ” وهو توصيف ماكر ولئيم معمول بههنا وهناك،  تنسيها ما عانته على أيدي دواعشيين، لا بد أن لهم أصولاً وفلولاً في المنطقة؟ هل حقاً أن هذه الجائزة ستبهج قلوب أمهات الكرديات الإيزيديات، وليس الإيزيديات، وتنسيهم ضحاياهن، ومن تم سبيهن، ومن جرى قتلهن، ومن عدن بأجسام تحمل آثار طعان المأخوذين بالشهوات المحللة، هل تنسيهن قتل هؤلاء المنتمين الدواعشيين إلى المنطقة نفسها، وفي جوارها، لأزواجهن، لأبنائهن، لأخوتهن، ولأقاربهن…الخ؟ 
هل عاش هؤلاء المعنيون بالجائزة ألم الاغتصاب، وعنفه يوماً، ليقرروا جائزة كهذه، وهم على يقين أنهم عاقبوا المجرمين، مرضى الشهوات الجائحة، وكافأوا الضحايا وداووا جراحهم؟
أعلي هنا أن أضحك، أن أصرخ بسخط، أم أضبط قهري، لأن هناك من لا يريدون تصرفاً كهذا كونهم ينتظرون إعلاناً من هذا النوع، كونهم أعلانيين، ديكورات ليس إلا إجمالاً ؟!
هل حقاً أن ناديا مراد ستنطلق إلى عالم رحب، كانت تحلم به بعمق، وهي معافاة، كما لو أن جسدها لم تمسسْه يد ملوثة، باغية، وباسم الدين، من أكثر من داعشي، ربما مازال على تخوم قريتها؟ أنها ستنسى اللفح النتن لأولئك الدواعشيين وهم يغتصبونها، وهم يستمرئون ” أكل لحمها ” ودائماً باسم الدين، وما يضاعف أجرهم ” المزعوم، لأنه ” شيطانية ” النسب ؟
أحقاً، أن الذين يعنون بهذه الجائزة على وعي تام بحقيقتها، على قناعة من أنهم لا يملكون سلطة محاربة العنف، والذين يستثمرونه، من خلال الدول التي ينتمون إليها؟ أم أنها فصل من فصول مسرحية شرعة الأمم الكبرى/ العظمى/ التي تعرف كيف تسمّي الحلال حلالاً والحرام حراماً، ومن ثم: كيف تمارس الخِدع على الذين لا يملكون حتى قوة التعبير عما هم فيه من ضعف، أو فرصة كافية لتسمية من يكونون رموزاً للعنف، ومن يحللون الاغتصاب وهم يحاربونه ؟
تُرى، هل سيتوقف الاغتصاب عن كونه اغتصاباً؟ العنف الجنسي، وسيقطَع دابره ؟
من جهة أخرى، كيف يمكن تصور ما يترتب على إعلان هذه الجائزة؟
سينبري كم كبير من ذوي الشعارات، ممن ينتظرون فرصة كهذه، لتهنئة ” الأقلية الإيزيدية ” حصراً، وليس الكرد، كما هو مروَّج له في الفضائيات العربية وسواها، وما في ذلك من لؤم همجي، ولتهنئة الضحية ذات الجرح العصي على الالتئام، بهذه الجائزة، إشعاراً منهم، أنهم مع الضحية وأهل الضحية، سيكون هناك نوع من التنافس، لمعرفة من يكون المبادر الأول إلى التهنئة، واعتبار ذلك نصراً للحق وإزهاقاً للباطل، وانتصاراً على الإرهاب، وستطالعنا المنابرالإعلامية: السمعية والبصرية بخطاطات نافرة تحمل هذه البشرى ؟ إلى ” الإقلية  الإيزيدية “، وإلى الشعب العراقي عموماً ” ويا للمهزلة ” بهذه المناسبة، وستلفت أنظار العالم إلى ما يجري، ستنبه العالم قاطبة إلى مدى اهتمام العراق حكومة وشعباً، والكرد جميعاً، بسابقة كهذه، والتي تعبّر من وجهة نظر هؤلاء عن يقظة ” الضمير العالمي ” والتعرف على مصائر هذه ” الأقلية الإيزيدية ” وعلى مدى أيام وربما أكثر، وفي مناسبات متلفزة، وبحضور من يمتلكون مهارة الكلام بلسانهم الذرب حول واقعة كهذه. وربما سيعتبَر هذا اليوم ” 5-10 / 2018 ” يوماً تاريخياً، وقد يكون له طابع الوطنية والقومية على مستوى العراق وحتى الكرد، تأكيداً، على أن امرأة ” من الأقلية الإيزيدية ” تمكنت بعد تعرضها للاغتصاب الداعشي، وقد هربت من جحيم داعش، وقد أسهمت في فضح رموز داعش ” يا للكلام المثير للاستهجان ! ” تمكنت من إسماع العالم: صوت ” الإقلية الإيزيدية ” وتحفيزهم لرؤية جرح هذه الأقلية، وكل ذلك، دائماً، عبر جسد ناديا مراد المعرَّض لطعان الدواعش …أي بطولة نسائية هي هذه ؟
هل حقاً أن العالم ما كان يعلم بأمر الكردي الإيزيدي، أو الإيزيدي، قبل الآن، وكل شيء واضح، ومدرَك بأكثر من معنى، أنه يزداد به علماً حقيقياً ؟ كما لو أن المرأة الإيزيدية حين تغتصَب من على أيدي مسلمين مقربين من الله بالمفهوم الداعشي ومن يساندونهم هنا وهناك، تمتلك أهلية تعبير صادقة، ومقدرة على إبلاغ جهات الأرض الأربع بجريمة كهذه؟ هل ينبغي علينا أن نهلل لهذه الجائزة بمثل هذه البساطة يا تُرى ؟
لا نوبل للسلام الوهمي الموهوم، ولا أي جائزة في العالم بقادرة على مداواة جراحات الشعوب التي تموت، تقتَل، وتعذّب بأدوات هائلة الإيذاء، مدمّرة، مروّعة مصدرها متروبولات على علم بخاصيات جوائز كهذه . نكون هناك إزاء مخدرات يجري العمل على تركيبها بدقة فائقة!
بقي أن أقول: لكم كنت أتمنى، وأنا بكامل وعيي، ألا تتحدث ناديا مراد، وهي مرئية من قبل الملايين في العالم، بتلك اللهجة العراقية ” العربية ” وهي تعبّر عن وضعها، وعما يمكن القيام به في أمكنة مختلفة، إنما بلغتها التي تدل عليها: الكردية، فاللغة أيضاً مدرجة على مستوى التقويم في خانة الضحايا، بالعكس، إنها شاهدة عيان بليغة على ذلك! إلا إذا اعتبرت نفسها إيزيدية حصراً، وليس هناك من صلة نسب لها لألفباء الكردية لا من قريب ولا من بعيد؟ إنه وجه آخر من تأكيد الهوية التي يُعلم بها من تَحدثتْ بلهجتهم، تأكيد آخر على صفة الخبث في الإعلاميات العربية قبل غيرها، وهي تعرّف بناديا مراد وتصفها هكذا. هل هي هكذا حقاً ؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….