شكري بكر
يُعدّ مستقبل الحركة السياسية الكوردية في سوريا من القضايا المهمة التي ستؤثر في شكل الدولة السورية ومستقبل التعددية السياسية فيها.
بعد سنوات من الصراع والتحولات العسكرية والسياسية، تواجه الحركة الكوردية مرحلة جديدة تتطلب إعادة تقييم الواقع، وتحديد الأهداف، وبناء استراتيجية سياسية قادرة على حماية الحقوق القومية وتحقيق المشاركة الفعلية في إدارة البلاد.
إن السؤال الأساسي ليس فقط: هل سيحصل الكورد على حقوقهم ، بل ما طبيعة هذه الحقوق، وما الضمانات التي ستحميها، ومن سيمثل الكورد في التفاوض على مستقبل سوريا؟
أولاً: التحولات السياسية والعسكرية وأثرها في القضية الكوردية:
شهدت العلاقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية تحولات مهمة، خصوصاً بعد اتفاق 10 آذار/مارس 2025، ثم التطورات والاتفاقات اللاحقة في عام 2026.
وقد أعادت هذه التحولات طرح مجموعة من القضايا الأساسية، وفي مقدمتها مستقبل الإدارة الذاتية، ومصير المؤسسات المحلية، وطبيعة العلاقة بين المناطق الكوردية والدولة السورية، والضمانات اللازمة لحماية الحقوق القومية والسياسية.
إن الانتقال من مرحلة امتلاك قوة عسكرية وإدارية مستقلة نسبياً إلى مرحلة التفاوض على الاندماج في مؤسسات الدولة يفرض على الحركة السياسية الكوردية البحث عن وسائل جديدة لتثبيت مكتسباتها.
ويجب التمييز هنا بين الاندماج الذي يضمن الحقوق والشراكة، والاندماج الذي قد يؤدي إلى فقدان الصلاحيات من دون ضمانات دستورية واضحة.
ثانياً: السيناريوهات المحتملة لمستقبل الحركة السياسية الكوردية:
1 – سيناريو التسوية الدستورية واللامركزية:
يقوم هذا السيناريو على التوصل إلى اتفاق سياسي ودستوري يضمن الاعتراف بالهوية واللغة الكورديتين، ويمنح المجالس المحلية صلاحيات إدارية ومالية حقيقية، ويضمن مشاركة الكورد في مؤسسات الدولة.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تبقى سوريا دولة موحدة، مع اعتماد نظام لامركزي يحترم خصوصية المناطق وتنوع مكوناتها القومية والثقافية.
ويتطلب نجاح هذا المسار وجود ضمانات دستورية وقانونية، وآليات واضحة لتوزيع الصلاحيات والثروات، واحترام إرادة السكان في إدارة شؤونهم المحلية.
2 – سيناريو الاندماج المركزي والحقوق المحدودة:
يقوم هذا السيناريو على دمج المؤسسات المحلية في مؤسسات الدولة، مع منح الكورد بعض المناصب والتمثيل السياسي، من دون توفير صلاحيات محلية واسعة.
وقد يؤدي ذلك إلى استمرار المشاركة الكوردية في الحياة السياسية السورية، لكنه قد يترك خلافات قائمة بشأن الاعتراف القومي، والتعليم باللغة الكوردية، والإدارة المحلية، والتمثيل الحقيقي في مؤسسات القرار.
وتتمثل المشكلة الأساسية في احتمال أن يصبح الاندماج الإداري بديلاً عن الحل السياسي الشامل، إذا لم يترافق مع ضمانات واضحة للحقوق.
3 – سيناريو تعثر التسوية وتجدد التوتر:
قد يؤدي عدم التوصل إلى اتفاق مستقر بشأن الأمن والإدارة والحقوق القومية إلى تجدد التوترات السياسية والاجتماعية، وربما المواجهات المسلحة.
ومن شأن ذلك أن يضعف قدرة القوى الكوردية على التفاوض، ويزيد الضغوط الإقليمية، ويعرض السكان لمخاطر أمنية واقتصادية إضافية.
ولهذا فإن نجاح التسوية لا يتوقف على توقيع الاتفاقات، بل على تنفيذها وضمان استمرارها.
ثالثاً: مستقبل المجلس الوطني الكوردي وحزب الاتحاد الديمقراطي
يمثل الخلاف بين المجلس الوطني الكوردي وحزب الاتحاد الديمقراطي أحد التحديات الأساسية أمام بناء موقف كوردي موحد.
فالمجلس الوطني الكوردي يركز على التعددية السياسية والحقوق القومية، ويستند إلى علاقاته مع قوى كوردستانية وإقليمية مختلفة.
أما حزب الاتحاد الديمقراطي، فقد ارتبط نفوذه خلال السنوات الماضية ببنية الإدارة الذاتية والقوى الأمنية والعسكرية المرتبطة بها، ويواجه اليوم تحدي إعادة تحديد دوره في ظل التحولات التي تشهدها سوريا.
وتتعلق الخلافات بين الطرفين بقضايا التمثيل السياسي، وإدارة المناطق، والعلاقة مع القوى الإقليمية، وطبيعة النظام السياسي المنشود.
ومع ذلك، فإن اختلاف الرؤى لا يمنع التوصل إلى برنامج مشترك يقوم على الحد الأدنى من الحقوق القومية والديمقراطية.
ويمكن أن تتخذ العلاقة بين الطرفين ثلاثة مسارات:
المسار الأول:
التوافق السياسي: تشكيل إطار تفاوضي مشترك، والاتفاق على برنامج واضح للحقوق القومية واللامركزية.
المسار الثاني:
التعاون المحدود: التنسيق بشأن القضايا الأساسية، مع استمرار التنافس الحزبي.
المسار الثالث:
استمرار الانقسام: تفاوض الأطراف بصورة منفصلة، بما قد يضعف قدرتها على التأثير في القرارات المتعلقة بمستقبل الكورد.
ولا يتطلب التوافق أن يتخلى أي طرف عن هويته السياسية، بل أن يتفق الجميع على أن الحقوق القومية للشعب الكوردي أوسع من المصالح الحزبية الضيقة.
رابعاً: دور تركيا والولايات المتحدة وإقليم كوردستان العراق.
تركيا:
يمثل الموقف التركي عاملاً مؤثراً في مستقبل المناطق الكوردية في سوريا، خصوصاً بسبب اعتراض أنقرة على وجود بنية عسكرية مستقلة مرتبطة بوحدات حماية الشعب قرب حدودها.
لذا فإن أي تسوية سورية تتعلق بالأمن والحدود وترتيبات القوات ستتأثر بالموقف التركي، الأمر الذي يجعل التفاهمات الإقليمية جزءاً من معادلة مستقبل القضية الكوردية في سوريا.
الولايات المتحدة.
يرتبط الدور الأمريكي بمكافحة تنظيم داعش، والاستقرار الأمني، والعلاقات مع الأطراف السورية المختلفة، وقد أسهمت
واشنطن في الوساطة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، لكن الدعم الأمريكي في المجال الأمني لا يعني بالضرورة ضمان قيام حكم ذاتي كوردي أو حماية جميع المكتسبات السياسية والإدارية، ومن هنا تبرز أهمية عدم ربط مستقبل القضية الكوردية بإلتزامات خارجية متغيرة، والعمل على تثبيت الحقوق ضمن اتفاق دستوري سوري.
إقليم كوردستان العراق.
يمكن لإقليم كوردستان العراق أن يؤدي دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر بين القوى السياسية الكوردية في سوريا، وتسهيل الحوار مع دمشق، وفتح قنوات التواصل الإقليمية والدولية، غير أن
فاعلية هذا الدور ستبقى مرتبطة بمدى إستعداد الأطراف الكوردية السورية لتجاوز خلافاتها، وبالظروف السياسية والإقليمية المحيطة بها.
خامساً: ما المطلوب من الحركة السياسية الكوردية؟
إن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على مجموعة من الأولويات الاستراتيجية:
أولاً: توحيد الموقف السياسي. ينبغي التوصل إلى اتفاق بين القوى الكوردية حول الحقوق الأساسية التي يجب أن تكون موضوع تفاوض مشترك.
ثانياً: تثبيت الحقوق دستورياً. لا يكفي الاعتماد على الوعود السياسية؛ بل يجب أن تكون الحقوق القومية واللغوية والسياسية محمية بنصوص دستورية واضحة.
ثالثاً: ضمان اللامركزية الفعلية. ينبغي تحديد صلاحيات المجالس المحلية، ومواردها المالية، ومسؤولياتها الإدارية، وآليات انتخابها ومحاسبتها.
رابعاً: ضمان الأمن والاستقرار. يجب أن تترافق أي ترتيبات أمنية مع ضمانات لحماية السكان، ومنع التمييز، وصون الحقوق والحريات.
خامساً: اعتماد الحوار والتعددية. إن بناء حياة سياسية ديمقراطية يتطلب احترام الاختلافات بين الأحزاب، ورفض احتكار التمثيل، وإتاحة المجال أمام مختلف التيارات السياسية والاجتماعية.
سادساً: بناء علاقات متوازنة. ينبغي تنويع العلاقات السياسية والدبلوماسية، والاستفادة من الدعم الدولي والإقليمي من دون جعل مستقبل الحقوق الكوردية رهناً بتغير سياسات الدول الخارجية.
سابعاً: المؤشرات التي ستحدد مستقبل القضية الكوردية حتى نهاية عام 2026
يمكن متابعة خمسة مؤشرات أساسية لمعرفة اتجاه التطورات:
الدستور السوري: هل سيعترف صراحة بالهوية واللغة والحقوق القومية الكوردية؟
اللامركزية: هل ستحصل المناطق الكوردية على صلاحيات إدارية ومالية حقيقية؟
الأمن: كيف ستتم ترتيبات دمج القوات والمؤسسات الأمنية، وما الضمانات المقدمة للسكان؟
الوحدة السياسية: هل سيتوصل المجلس الوطني الكوردي وحزب الاتحاد الديمقراطي إلى آلية مشتركة للتمثيل والتفاوض؟
التنفيذ الفعلي: هل ستتحول الاتفاقات إلى قوانين ومؤسسات وضمانات قابلة للتطبيق، أم ستبقى مجرد تعهدات سياسية؟
إن متابعة هذه المؤشرات أكثر أهمية من الاكتفاء بالتصريحات الإعلامية، لأنها تكشف ما إذا كانت التسوية السياسية تؤدي بالفعل إلى حماية الحقوق أم إلى تقليص الصلاحيات المحلية.
خاتمة: إلى أين تتجه الحركة السياسية الكوردية في سوريا؟
إن مستقبل الحركة السياسية الكوردية في سوريا يتوقف على قدرتها على تحويل التحولات العسكرية والسياسية إلى مكاسب دستورية وحقوقية مستدامة.
فالقضية الكوردية في سوريا لا تختزل في الإدارة الذاتية أو في وجود قوة عسكرية، بل تشمل الاعتراف القومي، واللغة والثقافة، والمشاركة السياسية، وضمان الحقوق والحريات، وإدارة الشؤون المحلية بصورة ديمقراطية.
ويجب التمييز بين ثلاثة أهداف مترابطة ولكنها مختلفة:
الحقوق القومية: الاعتراف بالكورد مكوّناً أصيلاً من مكونات سوريا، وحماية لغتهم وثقافتهم وهويتهم.
الحكم الذاتي أو اللامركزية: امتلاك صلاحيات حقيقية لإدارة المناطق وشؤونها المحلية.
تقرير المصير: مفهوم أوسع يتعلق بحق الشعوب في تحديد وضعها السياسي، ولا يتحقق تلقائياً بمجرد الاعتراف الثقافي أو تطبيق اللامركزية.
إن الاندماج في الدولة السورية لا يعني بالضرورة انتهاء القضية الكوردية، كما أن الاعتراف ببعض الحقوق لا يضمن وحده تحقيق المطالب السياسية والإدارية، وستتحدد النتائج وفق طبيعة
الدستور السوري، ومدى احترام التعددية، والضمانات القانونية، وقدرة القوى الكوردية على التفاوض بموقف مشترك.
إن التحدي الأكبر أمام الحركة السياسية الكوردية اليوم هو الانتقال من مرحلة الدفاع عن المكتسبات الميدانية إلى مرحلة تثبيت الحقوق القومية والديمقراطية في الدستور ومؤسسات الدولة.
فهل تستطيع القوى السياسية الكوردية تجاوز انقساماتها، وبناء مشروع مشترك يضمن حقوق الشعب الكوردي ضمن سوريا ديمقراطية لامركزية، أم أن الخلافات الداخلية والضغوط الإقليمية ستحد من قدرتها على تحقيق ذلك؟
إن الإجابة ستتضح من خلال المواقف السياسية والاتفاقات الدستورية وآليات تنفيذها، وليس من خلال التصريحات وحدها.





