مقالات

في سايكوجية المحبط وصناعة العدو

في سايكوجية المحبط وصناعة العدو

صبحي دقوري

من أدق ملاحظات إيريك هوفر أن الإنسان لا يتعلق دائماً بالحركة الجماهيرية لأنه وجد فيها جواباً عن أسئلته، بل قد يتعلق بها لأنه وجد فيها وسيلة للخلاص من ذاته القديمة

فالإنسان السوي قد يكره خطأً من أخطائه، أو يندم على ماضٍ من ماضيه، أو يتمنى أن يغير بعض ما في حياته؛ ولكنه، مع ذلك، يبقى متصلاً بنفسه، يرى عيوبها ومزاياها، ويعمل على إصلاحها. أما الإنسان الذي يرى أن ذاته كلها قد أصبحت عبئاً عليه، فقد يبحث عن مخرج أشد جذرية: أن يخلع نفسه القديمة كما يخلع المرء ثوباً بالياً.

ومن هنا تأتي قوة الحركة الجماهيرية.

إنها لا تقول للفرد: أصلح نفسك.

بل قد تقول له، صراحة أو ضمناً: انس نفسك، وابدأ من جديد.

وهذا وعد بالغ الإغراء لمن أثقلته نفسه.

فالجماعة تمنحه اسماً جديداً، ورفاقاً جدداً، وغاية جديدة، وخصوماً جدداً، بل تمنحه أحياناً تاريخاً جديداً. وما كان في حياته الخاصة فشلاً يمكن أن يصبح، بعد دخوله الجماعة، دليلاً على فساد العالم الذي يريد تغييره.

وهنا تقع إحدى أخطر عمليات التحول النفسي:
يتوقف الإنسان عن محاكمة نفسه، ويبدأ في محاكمة العالم.

فبدلاً من أن يقول: لماذا عجزت؟
يقول: من الذي منعني؟

وبدلاً من أن يسأل: أين أخطأت؟
يبحث عن المسؤول عن خطئه.

وبدلاً من أن يعيد النظر في حياته، يعيد النظر في المجتمع كله.

وليس في ذلك خطأ بالضرورة؛ فقد يكون المجتمع ظالماً فعلاً، وقد تكون هناك أسباب تاريخية وسياسية واقتصادية حقيقية لفشل الفرد. ولكن الخطر يبدأ حين تتحول هذه الحقيقة الجزئية إلى عقيدة شاملة تعفي الإنسان من كل مسؤولية عن نفسه.

وهنا يصبح العدو ضرورة نفسية.

فالإنسان الذي يحتاج إلى تفسير لفشله يجد في العدو تفسيراً جاهزاً. وكلما كان العدو غامضاً وشاملاً، كان التفسير أكثر راحة للنفس؛ إذ يصبح كل فشل دليلاً جديداً على المؤامرة، وكل اعتراض علامة على الخيانة، وكل نقد برهاناً على أن الخصم يعمل في الخفاء.

وهكذا تتشكل دائرة مغلقة:

إحباط → بحث عن معنى → انتماء إلى جماعة → تحديد عدو → شعور بالقوة → رفض النقد.

ومن أخطر ما في هذه الدائرة أنها تمنح صاحبها شعوراً بالراحة، لا شعوراً بالاضطراب. فهو لم يعد مضطراً إلى مواجهة السؤال الأصعب: ماذا فعلت أنا بحياتي؟

لقد وجد جواباً أسهل:

ماذا فعل الآخرون بنا؟

بين الإيمان والتعصب

لكننا هنا نصل إلى موضع ينبغي فيه أن نكون أكثر حذراً من هوفر نفسه.

فليس صحيحاً أن كل إيمان جماعي وليد الإحباط، ولا أن كل حركة جماهيرية تقوم على ضعف أفرادها. التاريخ يعرف رجالاً ونساءً خرجوا من حياتهم الخاصة دفاعاً عن فكرة عادلة، ودفعوا ثمناً باهظاً من أجل الحرية والكرامة والاستقلال.

المشكلة إذن ليست في الإيمان بقضية عامة.

المشكلة في اللحظة التي يصبح فيها الإيمان بالقضية إلغاءً للإنسان.

الإيمان الناضج يسمح لصاحبه بأن يقول:

قد أكون مخطئاً.

أما التعصب فيقول:

إذا كنت مخطئاً، فمعنى ذلك أن وجودي نفسه مهدد.

ولهذا يخشى المتعصب السؤال أكثر مما يخشى الخصومة؛ لأن السؤال يفتح الباب، والباب المفتوح يسمح بدخول الشك، والشك يفرض على الإنسان أن يرى نفسه من الخارج.

أما الجماعة المغلقة فتمنحه عالماً لا يحتاج فيه إلى النظر من الخارج.

كل شيء واضح:

نحن على حق،
والآخرون على باطل؛
نحن أصحاب القضية،
والآخرون عقبة في طريقها.

ومن هنا تبدأ المأساة؛ لأن الإنسان الذي كان يبحث عن معنى لحياته قد ينتهي إلى فقدان القدرة على رؤية حياة الآخرين.

القائد الذي يمنح الجماعة وجهها

وعندما تبلغ الجماعة هذه المرحلة، يظهر دور القائد.

القائد في الحركات الجماهيرية لا يكون مجرد مدير للتنظيم؛ فهو قد يصبح الصورة التي ترى الجماعة نفسها من خلالها.

ومن هنا نفهم لماذا يكون نقد القائد، في بعض الحركات، أشد خطراً من نقد الفكرة نفسها.

فإذا ارتبطت الفكرة بشخص، أصبح المساس بالشخص مساساً بالعقيدة.

وهنا تنتقل الطاعة من كونها اختياراً سياسياً إلى كونها موقفاً نفسياً.

وهذا هو الحد الفاصل بين الجماعة الحية والجماعة المغلقة:

الجماعة الحية تنتج قادتها ثم تستطيع نقدهم واستبدالهم. أما الجماعة المغلقة فقد تجعل القائد معياراً للحقيقة نفسها.

وعندما يصل الأمر إلى هذه المرحلة، لا يعود السؤال: هل القائد على صواب؟

بل يصبح السؤال:

كيف يمكن أن يكون القائد مخطئاً ونحن الذين آمنا به؟

وهنا ينتصر الشخص على الفكرة، وتتحول القضية من مشروع إنساني إلى ولاء شخصي.

ما الذي يبقى من الإنسان؟

ربما كان السؤال الأهم الذي يخرج به القارئ من كتاب هوفر ليس عن الجماهير ولا عن القادة، وإنما عن الفرد.

كيف يستطيع الإنسان أن ينتمي دون أن يذوب؟

كيف يؤمن دون أن يتعصب؟

كيف يدافع عن قضيته دون أن يحوّل المختلف معه إلى عدو؟

وكيف يحب جماعته دون أن يجعل كراهية الآخرين شرطاً لهذا الحب؟

هذه الأسئلة تتجاوز كتاب «المؤمن الصادق» نفسه؛ لأنها تمس جوهر الحياة السياسية والفكرية في المجتمعات الحديثة.

فالإنسان لا يعيش منفرداً، ولا يستطيع أن يعيش بلا انتماء. ولكن الحضارة تبدأ، في رأيي، عندما يتعلم الإنسان أن يكون جزءاً من الجماعة من غير أن يصبح ملكاً لها.

وهنا نستطيع أن نعيد صياغة المسألة كلها:

ليست الحرية أن تعيش بلا جماعة، وإنما أن تدخل الجماعة بإرادتك، وتبقى قادراً على الخروج منها بعقلك.

 

الحلقة الثانية

في الحلقة التالية، أنتقل إلى فصل بالغ الأهمية: «صناعة العدو»؛ كيف تحتاج الحركات الجماهيرية أحياناً إلى خصم لكي توحّد أتباعها، وكيف يتحول العدو من شخص أو قوة سياسية إلى صورة ذهنية تسكن داخل الجماعة نفسها.

 

صناعة العدو في التجربة الكوردية

تبدو فكرة «صناعة العدو» أكثر حساسية حين ننتقل إلى التجربة الكوردية؛ لأن الكورد عاشوا، خلال القرن العشرين، صراعات حقيقية مع دول وأنظمة أنكرت في مراحل مختلفة حقوقهم القومية والثقافية والسياسية. ولذلك لا يجوز أن نخلط بين العدو التاريخي الحقيقي وبين الصورة التي قد تصنعها بعض القوى السياسية لهذا العدو وتوسعها حتى تشمل كل مخالف.

فالمسألة هنا ليست إنكار الظلم، وإنما دراسة الكيفية التي يمكن أن يتحول بها الظلم الحقيقي إلى أداة دائمة لتعبئة الجماعة.

من الدولة المعادية إلى «كل الآخر»

في مراحل مختلفة من التاريخ الكوردي، كان الصراع مع الدولة المركزية صراعاً حقيقياً حول اللغة والهوية والحقوق السياسية والأرض.

لكن الخطر يبدأ حين تنتقل الجماعة من القول:

هذه السلطة تنكر حقوقنا.

إلى القول:

كل من لا يقف معنا هو جزء من هذه السلطة.

فالانتقال بين الجملتين يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة انتقال من الموقف السياسي إلى منطق التخوين.

وقد شهدت الحركة السياسية الكوردية، في مراحل مختلفة، خلافات حادة بين الأحزاب والتيارات. وكان من الطبيعي أن تختلف هذه القوى حول القيادة والاستراتيجية والتحالفات ووسائل النضال.

لكن حين يصبح الخلاف السياسي دليلاً على العمالة أو الخيانة، فإن الخصم الكوردي الداخلي يبدأ في أداء وظيفة شبيهة بوظيفة العدو الخارجي.

وهنا تصبح المأساة مضاعفة:

العدو الخارجي يوحّد الجماعة، لكن العدو الداخلي قد يمزقها.

الخلاف بين الأحزاب الكوردية

يمكن أن نقرأ تاريخ الأحزاب والحركات الكوردية من هذه الزاوية دون إنكار شرعية أي منها أو إصدار أحكام سياسية عليها.

ففي مراحل متعددة، كان الخلاف بين القوى الكوردية لا يتعلق فقط بالبرامج، وإنما بالقيادة والتمثيل والتحالفات ومفهوم المصلحة الكوردية نفسها.

وفي مثل هذه الظروف قد تظهر لغة من نوع:

هذا الحزب لا يمثل القضية الحقيقية.

وهذا القائد انحرف عن الطريق.

وهذا التيار خدم أعداء الكورد.

وهذا المختلف معنا أصبح، بصورة أو بأخرى، جزءاً من معسكر الخصم.

وقد يكون لبعض هذه الاتهامات أساس واقعي في واقعة أو تحالف أو قرار سياسي؛ لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الواقعة المحددة إلى حكم نهائي على الشخص أو الحزب أو التيار كله.

وهنا يتحول النقد من:

ماذا فعلتم؟

إلى:

من أنتم؟

والسؤال الثاني أخطر؛ لأنه لا يناقش الفعل، بل ينزع الشرعية عن الشخص.

مأساة الاقتتال الداخلي

والتجربة الكوردية في العراق تقدم مثالاً شديد الدلالة على خطورة انتقال الصراع من مواجهة الخصم الخارجي إلى الصراع الداخلي.

ففي الحرب الأهلية الكوردية في تسعينيات القرن العشرين، لم يعد الخلاف بين القوى الكوردية مجرد اختلاف سياسي؛ بل تحول إلى مواجهة مسلحة أوقعت خسائر كبيرة وعمقت الانقسام.

وهنا تظهر مفارقة مؤلمة:

الحركة التي نشأت للدفاع عن شعب يمكن أن تصل، إذا غلب منطق التنظيم على منطق الشعب، إلى مواجهة أبناء الشعب نفسه.

وهذا لا يعني مساواة الأطراف أو تجاهل أسباب الصراع، وإنما يعني أن القضية العادلة لا تمنح أصحابها حصانة أخلاقية من أخطائهم.

فقد يكون للإنسان قضية عادلة، ثم يخطئ في إدارتها.

وقد يكون له خصم ظالم، ثم يقع هو نفسه في ظلم خصمه.

والتاريخ لا يعفي أحداً من هذه المفارقة.

عندما يصبح القائد معيار القضية

ومن أخطر صور صناعة العدو في الحركات القومية أن تتحول القضية من فكرة عامة إلى صورة شخص أو عائلة أو حزب.

فإذا أصبح القائد رمزاً للقضية، صار نقده عند بعض الأتباع نقداً للقضية نفسها.

وهنا يمكن أن نسمع منطقاً خطيراً:

إذا كنت مع القضية، فعليك أن تكون مع قائدها.

وهذه الجملة تقلب المعادلة.

فالقائد ينبغي أن يكون خادماً للقضية، لا مالكاً لها.

والحزب ينبغي أن يكون وسيلة لتحقيق الهدف، لا أن يصبح الهدف هو بقاء الحزب.

والقومية ينبغي أن توسع دائرة الانتماء، لا أن تجعل الاختلاف في الرأي سبباً لإخراج الإنسان من الجماعة.

الكوردي الذي يصبح «عدواً للكورد»

ومن أكثر صور صناعة العدو الداخلي إيلاماً أن يصبح الكوردي المختلف سياسياً «أقل كوردية» من غيره.

وهنا تظهر أسئلة من قبيل:

من هو الكوردي الحقيقي؟

ومن هو الوطني الحقيقي؟

ومن يخدم القضية؟

ومن خانها؟

وهذه الأسئلة قد تكون مشروعة عندما تتعلق بأفعال محددة وخطيرة، لكنها تصبح مدمرة حين تتحول إلى محكمة دائمة للنيات.

فالهوية القومية ليست شهادة يمنحها حزب لأعضائه.

والاختلاف في الرأي لا يلغي الانتماء.

والكوردي الذي يختلف مع حزب كوردي لا يصبح بذلك عدواً للكورد.

هذه قاعدة ضرورية إذا أردنا أن تتحول القضية القومية من حالة تعبئة مستمرة إلى مشروع سياسي ناضج.

الذاكرة الكوردية وصناعة العدو

وللكورد ذاكرة تاريخية ثقيلة: الثورات، القمع، التهجير، الأنفال، حلبجة، حملات التعريب، الصراعات الداخلية، وتقسيم كوردستان بين دول عدة.

هذه الذاكرة ضرورية لحفظ الحقيقة ومنع النسيان.

لكن الذاكرة يمكن أن تؤدي وظيفتين مختلفتين.

الأولى:

أن تجعل الإنسان أكثر وعياً بحقوقه وتاريخه.

والثانية:

أن تجعل الماضي سجناً دائماً للحاضر.

في الوظيفة الأولى تصبح الذاكرة مصدراً للوعي.

وفي الثانية تصبح مصدراً دائماً للخوف والكراهية.

ولهذا ينبغي أن يكون الهدف من الذاكرة هو معرفة الحقيقة، لا توريث الكراهية.

العدو الحقيقي والاختلاف الكوردي

وهنا نستطيع أن نضع قاعدة تصلح لقراءة التاريخ السياسي الكوردي كله:

ليس كل من اختلف مع الحركة الكوردية عدواً للكورد، كما أن ليس كل من رفع شعار القضية الكوردية فوق النقد.

فالعدو الحقيقي يُقاس بالفعل الذي يقوم به.

أما المناضل أو المثقف أو الكاتب أو السياسي المختلف فيُقاس بالحجة التي يقدمها وبالموقف الذي يتخذه.

وبهذا وحده تستطيع القضية أن تحمي نفسها من أخطر أعدائها: تحويل الاختلاف الداخلي إلى خيانة.

من أجل قضية تستطيع أن تنتقد نفسها

وهنا نعود إلى هوفر.

إن الجماعة التي لا تسمح لأفرادها بأن يسألوا قد تحقق تعبئة سريعة، لكنها لا تستطيع بناء حياة سياسية سليمة.

أما الجماعة التي تسمح بالنقد، وتقبل بتعدد الرؤى، وتفرق بين الخصومة والخيانة، فهي أكثر قدرة على البقاء.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي حركة قومية:

هل تستطيع أن تحب قضيتها دون أن تكره كل من يختلف معها؟

إذا استطاعت، أصبحت القضية أكبر من الحزب.

وإذا عجزت، أصبح الحزب أكبر من القضية.

وهنا يمكن أن نعيد صياغة الفكرة كلها في عبارة واحدة:

القضية التي تحتاج إلى عدو دائم كي تحافظ على وحدتها، لم تبلغ بعد مرحلة الثقة بنفسها.

 

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى

حزب يدار بالبيانات..

خالد السينو Khaled Al Sino اختُزلت السياسة في حركتنا الكردية إلى صناعة البيانات هنا بيان فبيان مضاد، فتوضيح، فتوضيح على ذاك التوضيح.…