صديق ملا
منذ سقوط النظام السابق ودخول سوريا مرحلة انتقالية جديدة، ظلّت القضية الكردية واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً في مسار بناء الدولة السورية الجديدة. فالكرد، بوصفهم مكوّناً أصيلاً من مكونات الشعب السوري، لم تكن قضيتهم وليدة المرحلة الراهنة، بل هي حصيلة عقود من سياسات التمييز والحرمان من الحقوق القومية والثقافية والسياسية، وما رافقها من تحولات عميقة فرضتها سنوات الحرب السورية.
وفي هذا السياق، شكّل كونفرانس «وحدة الموقف والصف الكردي» الذي انعقد في قامشلو في نيسان/أبريل 2025 محطة سياسية مهمة، ليس فقط لأنه جمع طيفاً واسعاً من القوى والشخصيات الكردية، وإنما لأنه سعى إلى إنهاء حالة الانقسام الكردي وتشكيل وفد موحد للحوار مع دمشق، على أساس رؤية سياسية مشتركة تؤكد وحدة سوريا، وتطالب في الوقت نفسه بضمان الحقوق القومية والسياسية والثقافية للشعب الكردي دستورياً ، وبناء دولة ديمقراطية لا مركزية تتسع لجميع مكوناتها.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:
لماذا لم تتعامل الحكومة السورية المؤقتة في دمشق مع هذا المسار الكردي الموحد باعتباره فرصة للحوار، ولماذا لم تمنح الوفد المنبثق عن الكونفرانس المكانة السياسية التي يفترضها مشروع «الحوار الوطني» وبناء سوريا الجديدة؟ وهل يعود ذلك إلى رفض مبدأ اللامركزية، أم إلى مخاوف أمنية وإقليمية، أم إلى رغبة في إبقاء القضية الكردية ضمن إطار إداري وأمني بدلاً من التعامل معها كقضية سياسية ودستورية؟ أم أن الأمر يرتبط بحسابات أوسع تتعلق بشكل الدولة السورية ومستقبلها؟
وإن تجاهل هذه الأسئلة أو اختزال القضية الكردية في ملف أمني مرتبط بقوات سوريا الديمقراطية لا يخدم مشروع بناء سوريا مستقرة ومتوازنة. فالمطلوب ليس منح الكرد امتيازات على حساب بقية السوريين، ولا تحويل سوريا إلى كيانات متنازعة، وإنما الوصول إلى صيغة دستورية وسياسية تعترف بالتعدد القومي والثقافي في البلاد، وتحفظ وحدة سوريا وسيادتها، وفي الوقت ذاته تضمن للكرد حقوقهم المشروعة كمكوّن أصيل من مكونات الشعب السوري، يعيش على أرض أبائه وأجداده التاريخيين منذ آلاف السنين. والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي:
أن الحكومة السورية المؤقتة في دمشق بقيادة أحمد الشرع تفضّل التفاوض مع “مؤسسات منفصلة وليس مع وفد ٍيمثل القضية الكردية ، وهذا ما ظهر بوضوح لاحقاً.
ففي أيلول عام 2025 وبعد أكثر من أربعة أشهر من الكونفرانس دعت دمشق وفد المجلس الوطني الكردي منفرداً إلى لقاء، ولم توجِّه الدعوة إلى الوفد الكردي المشترك المنبثق عن كونفرانس قامشلو ، وقد أثار ذلك إعتراضاً داخل الأوساط الكردية، باعتبار أن الكونفرانس أقر تمثيلاً كردياً موحداً وله ( استراتيجية تفاوضية مفهومة) من خلال طرح شعار “سورية ديمقراطية تعددية لامركزية”، وضمان الحقوق القومية للشعب الكردي في سوريا دستورياً.
لكن دمشق قرأت الموضوع بصورة مختلفة ، ففي اليوم التالي للكونفرانس أعلن الرئيس أحمد الشرع رفض أي محاولة لإنشاء كيان فيدرالي أو إدارة ذاتية من دون توافق وطني شامل. ووصف وحدة سورية بأنه خط أحمر؟؟؟!!!
فالجانب الكردي يريد ضمانات دستورية ولامركزية ديمقراطية داخل سورية الموحدة، وهذا ما يجعل دمشق تنظر إلى مخرجات الكونفرانس بحذر ٍشديد، وعليه فإن قبول دمشق بالوفد الكردي المنبثق من كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي باعتباره الممثل السياسي الموحد للكرد يمكن أن يُفهم اقليمياً على أنه قبول بنفوذ سياسي أوسع للقوى المرتبطة بالإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية .
لذلك تفضل الحكومة الإنتقالية أن يكون الحوار ضمن مؤتمر وطني سوري واحد ومؤسسات الدولة المركزية، وليس عبر تفاوض ((قومي_مركزي)) بين دمشق وكل مكون على حده وهذا يتفق مع تأكيد الحكومة المؤقتة على الوحدة الوطنية ورفض الفيدرالية.
والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها وهي:
إذا كانت دمشق تقول أنها تريد مشاركة جميع السوريين فلماذا لا تتعامل مع وفد يضم مختلف أطياف الحركة السياسية الكردية في كردستان سورية ويستند إلى كونفرانس شاركت فيه تلك الأطراف الكردية جميعاً؟؟؟!!! ذلك لأن الإعتراف به كمرجعية تفاوضية كردية موحدة سيمنحه شرعية سياسية كبيرة ، وسُيجبر دمشق على الدخول في تفاوض مباشر حول القضية الكردية بوصفها قضية سياسية ودستورية وليس مجرد ملف أمني أو إداري مرتبط بقوات سورية الديمقراطية.
وكان الشعب الكوردي بأحزابه وقواه الوطنية والديمقراطية سعيداً يإزاحة الديكتاتور بشار الأسد وأجهزته القمعية، ومتوقعاً ومأمولاً أن تبادرالحكومة المؤقتة في دمشق بقيادة الرئيس أحمد الشرع إلى إنصاف الشعب الكوردي، وتحقيق مآربه وطموحاته القومية المشروعة ، وفتح باب الحوار الجدي والمسؤول للوصول إلى تفاهمات مشتركة.
ذلك لأن الهم الوطني ينبغي أن يلعب دوراً إيجابياً في تقريب وجهات النظر، إضافة إلى أنهم مُطالبون بدور أكثر فاعلية في التصدي للمحاولات التي تسعى إلى إثارة النعرات الطائفية والقومية والمذهبية وحملات التشويش والتحريض والتجييش وخطاب الكراهية والتي من شأنها تعميق الشرخ بين الكورد والعرب وسائر المكونات السورية…..
Sedîq Mella
20/10/2026
Deutschland





