حسن قاسم
الثقافة تواضع، والكتابة مسؤولية، والنقد حق لا امتياز
ليس كل من امتلك قلماً أصبح مثقفاً، وليس كل من أتقن التحليل السياسي امتلك الحقيقة، فالفارق كبير بين من يجعل من المعرفة جسراً يصل به إلى الناس، ومن يتخذ منها سلّماً يصعد به فوقهم، متوهماً أنه ينتمي إلى طبقة استثنائية لا يجوز الاقتراب من مكانتها أو مساءلة آرائها.
لقد بات من الملاحظ أن بعض الكتّاب والباحثين والمحللين السياسيين يتعاملون مع الآخرين بفوقية وعنجهية لافتتين، وكأنهم أوصياء على العقول، أو أنهم جاءوا من كوكب آخر لا يشبه الكوكب الذي يعيش عليه بقية البشر. والأكثر غرابة أن بعضهم، الذي لا يتردد في توجيه الانتقادات إلى الآخرين، لا يحتمل أن يوجَّه إليه نقد، وكأن حرية التعبير حق حصري له، أما مخالفة رأيه فتعني، في نظره، الجهل أو قلة الفهم!
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن لمن يعجز عن تقبّل النقد أن يدّعي امتلاك القدرة على تشخيص أخطاء الآخرين؟ وكيف لمن يطالب الناس باحترام آرائه أن يتجاهل حقهم في الاختلاف معه؟
إن أول شروط المصداقية أن يكون الكاتب متواضعاً، مدركاً أن المعرفة لا تمنح صاحبها حصانة من الخطأ، وأن الثقافة الحقيقية لا تُقاس بعلو الصوت أو استعراض المصطلحات، بل بعمق الفكرة، ونزاهة الموقف، واحترام عقول الآخرين.
فالكاتب والمثقف ليسا كائنين منفصلين عن المجتمع، ولا يحق لهما النظر إلى الجماهير من أبراج عاجية، بل تقع على عاتقهما مسؤولية التعبير عن نبض الناس، والاقتراب من معاناتهم، والدفاع عن قضاياهم، ونقل آمالهم ومخاوفهم بصدق وشجاعة. فكيف لمن يتجاهل أوجاع الناس أن يدّعي تمثيلهم؟ وكيف لمن ينظر إلى معاناتهم من موقع الاستعلاء أن يزعم أنه يحمل همومهم؟
إن قيمة المثقف لا تكمن في عدد المقالات التي ينشرها، ولا في حجم الحضور الإعلامي الذي يحظى به، ولا في عدد المعجبين والمتابعين، بل في قدرته على قول الحقيقة، حتى عندما تكون مكلفة، وفي استعداده لمراجعة مواقفه عندما يكتشف خطأه.
ومما يبعث على الأسف أن نلمس لدى بعض من يتصدرون المشهد الثقافي والسياسي مظاهر من الأنانية والوصولية، حيث تتراجع المبادئ أمام المصالح، ويصبح القلم، الذي يفترض أن يكون أداة لكشف الحقيقة، وسيلة لتلميع الأشخاص أو تبرير السياسات أو التقرب من أصحاب النفوذ والمال. وعندها لا يعود السؤال: ماذا يقول الكاتب؟ بل يصبح: لمصلحة من يكتب، ولحساب من يصمت؟
بالطبع، لا يجوز التعميم، ففي كل ميدان أقلام شريفة ومثقفون مخلصون يدفعون ثمن مواقفهم، ويتمسكون باستقلاليتهم رغم الإغراءات والضغوط. وهؤلاء يستحقون التقدير، لأنهم يدركون أن الكلمة أمانة، وأن المواقف لا تُشترى، وأن احترام الذات يبدأ من احترام الحقيقة.
إن النقد ليس إهانة، والاختلاف ليس عداوة، والاعتراف بالخطأ ليس انتقاصاً من قيمة الكاتب، بل دليل على نضجه الفكري والأخلاقي. ومن يمنح نفسه حق تحليل مواقف الآخرين ونقدها، عليه أن يمنح الآخرين الحق نفسه، وإلا تحولت الكتابة إلى خطاب أحادي لا يؤمن بالحوار، وتحولت الثقافة إلى وسيلة للاستعلاء بدلاً من أن تكون أداة للتنوير.
وفي المحصلة، لن يحفظ التاريخ مكانة الكاتب لأنه كان متعالياً، ولن يمنحه صك المصداقية لأنه امتلك لغة منمقة أو لقباً أكاديمياً، بل سيذكره بقدر ما كان صادقاً مع ضميره، قريباً من شعبه، وفياً لمبادئه، وشجاعاً في الدفاع عن الحقيقة.
فالقلم الذي ينفصل عن نبض الجماهير يفقد روحه، والمثقف الذي يضع نفسه فوق النقد يفقد بوصلته، أما الذي يكسر قلمه أمام سلطان المال، فقد خسر أثمن ما يملكه الكاتب: استقلاليته وكرامته.





