نحو بناء رؤيةكردية مشتركة للمستقبل (3)

د. مرشد اليوسف
هل يستطيع الكرد أن يكونوا شركاء في قضيتهم؟
كان الليل قد تقدم، لكن الحوار لم يكن قد وصل إلى نهايته. شعرت أن الرجلين، رغم استمرار الخلاف بينهما، بدآ يكتشفان أن خلف الاتهامات المتبادلة أسئلة أكبر بكثير من الأحزاب والقيادات.
قلت لهما:
— لنفترض أننا اتفقنا على أن الطرفين ارتكبا أخطاء، وأن تركيا استغلت الانقسام الكردي، وأن القوى الدولية تعاملت مع القضية وفق مصالحها. ماذا نفعل الآن؟ لقد تغيرت سوريا، وتغيرت موازين القوى، ولم يعد ممكناً العودة إلى السنوات الماضية.
الدكتور المؤيد للخط الأوجلاني:
— أعتقد أن أول خطوة هي الاعتراف بأن الكرد أصبحوا قوة سياسية لا يمكن تجاوزها. لم نعد أمام قضية هامشية يمكن للدولة أن تؤجلها أو تنكرها. هناك شعب كردي له وجود تاريخي وثقافة ولغة وحقوق سياسية، وأي دستور سوري جديد يجب أن يعترف بذلك صراحة.
الدكتور المؤيد للخط البرزاني:
— أتفق معك، لكن الاعتراف وحده لا يكفي. علينا أن ننتقل من منطق القوة الميدانية إلى منطق المؤسسات. القوة العسكرية مهمة لحماية الناس، لكنها لا تستطيع وحدها أن تضمن المستقبل. الذي يحمي الحقوق بصورة دائمة هو الدستور والقانون والمؤسسات.
الأوجلاني:
— لكننا لا نستطيع أن نتخلى عن قوتنا قبل أن نحصل على ضمانات حقيقية.
البرزاني:
— وأنا لا أطالب بالتخلي عنها، بل أطالب بتحويلها إلى قوة سياسية مشروعة داخل الدولة، بحيث تصبح جزءاً من معادلة وطنية سورية جديدة.
تدخلت قائلاً:
— إذن نحن أمام معادلة جديدة: لا التخلي عن القوة، ولا البقاء أسرى لها.
نظر إليّ الدكتوران، ثم تابعت:
— ولكن ماذا عن الخلاف الكردي الداخلي؟ هل تستطيعون أن تتفقوا على الحد الأدنى من الثوابت؟
قال الدكتور الأوجلاني:
— يمكننا الاتفاق على اللغة الكردية، وعلى الاعتراف الدستوري بالكرد، وعلى التعليم باللغة الأم، وعلى المساواة في الحقوق والواجبات، وعلى المشاركة السياسية.
وأضاف الدكتور البرزاني:
— ويمكننا الاتفاق أيضاً على رفض أي مشروع يهدف إلى تعريب الكرد أو إلغاء هويتهم، كما يمكننا الاتفاق على رفض أي مشروع كردي يلغي بقية المكونات أو يفرض نفسه بالقوة عليها.
قلت:
— هذه نقطة مهمة جداً. القضية الكردية لا تصبح أكثر قوة عندما تتحول إلى قضية إقصاء للآخرين، بل عندما تصبح جزءاً من مشروع ديمقراطي سوري أوسع.
الأوجلاني:
— لكن هناك خوف حقيقي لدى الكرد من أن تؤدي العودة إلى الدولة المركزية إلى عودة الماضي.
البرزاني:
— ولهذا نحتاج إلى دولة جديدة، لا إلى إعادة إنتاج الدولة القديمة. نريد دولة سورية تعترف بالتعدد القومي والثقافي، لا دولة تفرض هوية واحدة على الجميع.
ثم سأل الدكتور الأوجلاني:
— وهل تعتقد أن دمشق مستعدة لذلك؟
أجاب الدكتور البرزاني:
— لا أحد يستطيع أن يضمن المستقبل، لكن السياسة لا تُبنى على الخوف وحده. علينا أن نفاوض ونضغط ونشارك ونبني تحالفات داخل سوريا وخارجها.
قال الأوجلاني:
— وأنا أوافقك، بشرط ألا يتحول التفاوض إلى تنازل مجاني.
قلت:
— هنا تحديداً تظهر مسؤولية القيادة الكردية. لا ينبغي أن تكون أمام خيارين: الحرب أو الاستسلام. هناك طريق ثالث هو التفاوض من موقع القوة السياسية، مع الحفاظ على وحدة الصف الكردي.
ساد الصمت.
ثم قلت لهما:
— دعوني أسألكما سؤالاً شخصياً. لو طلب منكما غداً أن تجلسا معاً لتشكيل هيئة كردية مشتركة، هل ستفعلان؟
ابتسم الدكتور الأوجلاني وقال:
— إذا كان الهدف هو خدمة الشعب الكردي، نعم.
وقال الدكتور البرزاني:
— وأنا أقول نعم، ولكن بشرط أن تكون الشراكة حقيقية، وأن يكون القرار جماعياً، وألا يكون هناك حزب فوق الأحزاب.
قلت:
— إذن المشكلة ليست في غياب إمكانية الاتفاق، وإنما في غياب الثقة.
أجاب الدكتور الأوجلاني:
— الثقة لا تأتي بالكلام، بل بالممارسة.
وأضاف الدكتور البرزاني:
— وتبدأ بالاعتراف بأن الآخر ليس عدواً.
عندها شعرت أن الحوار وصل إلى النقطة التي كنت أبحث عنها منذ البداية.
قلت لهما:
— ربما تكون أكبر خسارة للكرد ليست خسارة معركة عسكرية، ولا فقدان منطقة أو نفوذ سياسي. الخسارة الأكبر هي أن يقتنع الكردي بأن الكردي الآخر هو عدوه.
ثم تابعت:
— تركيا تستطيع أن تختلف معنا، ودمشق تستطيع أن تختلف معنا، وواشنطن وموسكو تستطيعان أن تغيرا سياساتهما وفق مصالحهما. أما نحن، فلا نملك ترف أن نتحول إلى أعداء دائمين لبعضنا.
قال الدكتور الأوجلاني:
— لكن الوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف.
قلت:
— بالتأكيد. أنا لا أريد وحدة حزبية، وإنما أريد وحدة في المصالح الأساسية.
وقال الدكتور البرزاني:
— وهذا ربما هو الشيء الذي تأخرنا كثيراً في فهمه.
ثم نهض الرجلان.
صافح أحدهما الآخر، لا باعتبار أن الخلاف انتهى، وإنما باعتبار أن الحوار يمكن أن يبدأ من جديد.
وبقيت وحدي أفكر في ما جرى.
لقد دخل الرجلان الكافتيريا وهما يحملان تاريخاً طويلاً من الخصومة السياسية، وكل واحد منهما يعتقد أن الآخر هو جزء من المشكلة. لكنهما خرجا وهما يدركان أن الخلاف بين الكرد لا يمكن أن يستمر بالطريقة نفسها.
أما أنا، فلم أخرج من الحوار منتصراً لطرف على آخر.
خرجت بقناعة أكثر رسوخاً:
لقد آن للكرد أن يتوقفوا عن سؤال: من يمثل القضية الكردية؟ وأن يبدأوا بسؤال أهم: كيف نحمي القضية الكردية معاً؟
فالقضية أكبر من حزب، وأكبر من قائد، وأكبر من تجربة سياسية واحدة.
والكرد الذين استطاعوا أن يصمدوا أمام دول وجيوش وتحولات تاريخية كبرى، يستطيعون أيضاً أن يتعلموا كيف يختلفون دون أن يتحول اختلافهم إلى عداوة.
فالاختلاف السياسي قد يكون مصدر قوة، أما الانقسام القومي فهو مصدر ضعف.
وربما تكون المرحلة القادمة هي الفرصة الأخيرة لكي يتحول الكرد من أطراف متنافسة على تمثيل القضية إلى شركاء حقيقيين في صناعتها وحمايتها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حمدو يوسف تثير الدعوة التي أطلقها المركز الكوردي في بامبرغ للتظاهر في ألمانيا دعماً للفيدرالية والحقوق القومية للشعب الكوردي في سوريا سؤالاً جدياً حول الفجوة المتزايدة بين مطالب قطاعات من الشعب الكوردي وبين مواقف بعض الشخصيات التي يفترض أنها تمثله داخل مؤسسات السلطة السورية ومجلس الشعب. ففي الوقت الذي ترفع فيه فعاليات كوردية في الخارج سقف المطالب إلى الفيدرالية، والاعتراف…

جوان عصمت سيدا Ciwan Ismet Seyda سبعة وثلاثون عامًا مضت على رحيل والدي ورفيقي عصمت سيدا، وما زالت ذكراه حاضرة في ذاكرتي، كما بقيت سيرته ومواقفه جزءًا من ذاكرة الحركة الوطنية والقومية الكردية في كوردستان سوريا. ينحدر الرفيق عصمت سيدا من عائلة ذات تاريخ وطني وقومي عريق؛ فقد كان عمه الملا عبيد الله ووالده الملا فتح الله من علماء الدين…

المحامي عبدالرحمن محمد الحقوق لا تتجزأ، والإقرار بالحق كاشف له وليس منشئا له. كما أن الاعتراف بالهوية الجامعة للدولة ليس منة من أحد، بل هو حق وواجب ومسؤولية وطنية وسياسية وأخلاقية. تكمن المشكلة الأساسية في ذهنية السلطة الانتقالية المؤقتة في دمشق، وفي نمط التفكير الذي يحكم مقاربتها للقضية الكوردية، ولا سيما عندما يكرر بعض مسؤوليها أن أهلنا وإخوتنا الكورد قد…

لوند حسين* ثمة شخصيات في التاريخ الكُردي لا يظلمها أعداء الكُرد وحدهم، بل قد يظلمها الكُرد أيضاً عندما نقرأ تاريخها بعين الخلافات السياسية اللاحقة، ونحاكم أصحابها بأحكام لم تكن موجودة في زمنهم؛ وحسن خيري بك واحد من أكثر هذه الشخصيات إثارةً للجدل، وربما واحد من أكثرها تعرضاً للظلم وسوء القراءة في تاريخ الكُرد الحديث؛ فبينما يصر بعض الكتاب والباحثين الكُرد…