لوند حسين*
ثمة شخصيات في التاريخ الكُردي لا يظلمها أعداء الكُرد وحدهم، بل قد يظلمها الكُرد أيضاً عندما نقرأ تاريخها بعين الخلافات السياسية اللاحقة، ونحاكم أصحابها بأحكام لم تكن موجودة في زمنهم؛ وحسن خيري بك واحد من أكثر هذه الشخصيات إثارةً للجدل، وربما واحد من أكثرها تعرضاً للظلم وسوء القراءة في تاريخ الكُرد الحديث؛ فبينما يصر بعض الكتاب والباحثين الكُرد على وضعهِ في خانة «الخيانة» و«العمالة» بسبب مواقفه السياسية في بدايات تأسيس الجمهورية التركية، تكشف الوثائق البرلمانية التركية المتاحة صورة أكثر تعقيداً بكثير؛ صورة رجل كان نائباً عن مدينة ديرسم الكُردية، وحمل قضايا أبناء جلدتِهِ إلى داخل البرلمان، وتدخل في قضية كوچگري، ودافع عن المعتقلين، ثم انتهى به الأمر إلى محكمة الاستقلال وحبل المشنقة التركي.
وهنا تبدأ المفارقة التي ينبغي أن نتوقف عندها طويلاً: كيف يمكن لرجل يُقال إنه كان «عميلاً لأنقرة» أن ينتهي إلى الإعدام على يد الدولة التي يُتهم بأنهُ كان يعمل لحسابها؟ وهل يكفي أن يكون السياسي قد تعاون مع السلطة في مرحلة معينة، أو راهن على إمكانية التعايش والشراكة معها، حتى نحولهُ بأثر رجعي إلى «عميل»؟ وهل يجوز لنا، نحن الكُرد، أن نستبدل البحث التاريخي بالتهم الجاهزة، ثم نطالب الآخرين في الوقت نفسه بأن يكونوا منصفين في كتابة تاريخنا؟
حسن خيري بك، المولود في ديرسم عام 1881، كان ضابطاً في الجيش العثماني، ثم أصبح نائباً عن ديرسم في مجلس المبعوثان العثماني، وبعد تأسيس مجلس الأمة التركي الكبير أصبح نائباً عن ديرسم في الدورة الأولى بين عامي 1920 و1923. والبرلمان التركي نفسهُ يحتفظ باسمهِ في سجلاته الرسمية باسم Hasan Hayri Bey (Hasan Hayri Kanko)، كما تحفظ أرشيفاته عشرات المداخلات والمناقشات التي شارك فيها؛ وهذه الحقيقة وحدها كافية لتذكيرنا بأن الرجل لم يكن شخصية هامشية عابرة، بل كان جزءاً من الحياة السياسية في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المنطقة.
لكن الأهم ليس أنه كان نائباً في البرلمان التركي، وإنما ما الذي فعله من داخل ذلك البرلمان.
فمحاضر البرلمان التركي تكشف أن حسن خيري بك لم يكن نائباً صامتاً، ولم يكتفِ بالجلوس تحت قبة البرلمان والتصويت وفق ما تريده الحكومة، بل تحدث عن أوضاع ديرسم والولايات الشرقية الكُردية، وتدخل بصورة مباشرة في قضية كوچگري، ودافع عن المعتقلين، وطالب بإجراء تحقيق في ما جرى؛ وفي 6 تشرين الأول/أكتوبر 1921 تقدم باقتراح يتعلق بالمعتقلين على خلفية أحداث كوچگري، وطالب بعدم اتخاذ إجراءات بحقهم أمام المحاكم العسكرية ومحاكم الاستقلال إلى حين وصول لجنة برلمانية للتحقيق في أسباب الأحداث، وقد أقر البرلمان اقتراحه.
وهنا يحق لنا أن نسأل أصحاب رواية «العمالة» سؤالاً بسيطاً لكنه جوهري: أين هي أفعال العميل في هذه الوقائع؟
يمكن أن نختلف مع حسن خيري بك، ويمكن أن ننتقد خياراته السياسية، ويمكن أن نقول إنه أخطأ في تقدير طبيعة المرحلة أو أخطأ في قراءة الحركة الكمالية، لكن لا يمكن أن نحول هذا الاختلاف إلى «عمالة» من دون دليل. فالوثيقة شيء، والتفسير السياسي شيء آخر، والتهمة شيء ثالث.
إن وصف رجل بأنه «عميل» ليس شتيمة سياسية عابرة، بل ادعاء تاريخي خطير؛ والادعاء التاريخي يحتاج إلى وثيقة، لا إلى الانطباع، ولا إلى رواية متناقلة، ولا إلى خصومة سياسية عمرها عقود.
وحتى في قضية كوچگري، التي كثيراً ما استُخدمت لإدانة حسن خيري بك، فإن محاضر البرلمان التركي تظهر أن الرجل كان طرفاً في النقاش حول ما جرى في المنطقة، وأنه حاول التدخل في قضية المعتقلين؛ وقد يفسر البعض مواقفه على أنها محاولة للحفاظ على وحدة الدولة التركية ومنع الانفصال الكُردي، وهذا تفسير سياسي قابل للنقاش؛ لكن تحويل ذلك مباشرة إلى دليل على «الخيانة» يتجاهل السياق التاريخي والسياسي الذي كان يعيش فيه الرجل.
لقد كان حسن خيري واحداً من السياسيين الكُرد الذين اعتقدوا، في مرحلة مبكرة، أن بإمكان الكُرد الحفاظ على حقوقهم وهويتهم ومكانتهم السياسية من خلال الشراكة مع الأتراك داخل الدولة الجديدة؛ وربما كانت هذه واحدة من أكبر أخطائه السياسية؛ بل كان ينبغي عليه أن يدرك في وقت أبكر أن المشروع القومي التركي الذي كان يتشكل أمام عينيه لن يحافظ على الوعود والشعارات التي رفعت في سنوات الحرب والاستقلال.
لكن علينا أن نتذكر أن التاريخ لا يُكتب من نهايته إلى بدايته؛ نحن نعرف اليوم ما الذي حدث للكُرد في تركيا خلال القرن العشرين، ونعرف سياسات الإنكار والقمع والتتريك التي تعرضوا لها، ونعرف أن الجمهورية التركية اتجهت إلى بناء دولة قومية مركزية لم تكن مستعدة للاعتراف بالحقوق القومية الكُردية؛ أما حسن خيري، فلم يكن يملك هذه المعرفة المستقبلية عندما اتخذ مواقفه السياسية.
وهنا تحديداً ينبغي أن نفرق بين «الخطأ السياسي» و«العمالة».
وهذه ليست مسألة تخص حسن خيري بك وحده، بل هي مشكلة رافقت، ولا تزال ترافق، طريقة تعاملنا نحن الكُرد مع شخصياتنا السياسية؛ فلو طبقنا معيار «العمالة» نفسه على كل سياسي كُردي اختار طريقاً سياسياً مختلفاً، أو راهن على الحوار والدبلوماسية، أو أخطأ في تقدير نيات خصومه وحلفائه، فسوف نجد أنفسنا مضطرين إلى اتهام عدد كبير من الشخصيات الكُردية التي نختلف معها سياسياً بالخيانة والعمالة.
خذوا، مثلاً، تجربة السياسي الكُردي السوري عبد الحميد درويش؛ فقد اختار طوال عقود طريق العمل السياسي والحزبي والدبلوماسي، وفضّل في كثير من المراحل الخطاب السياسي الهادئ والتفاوض والحوار على الخطاب الحاد والمواجهة المباشرة مع النظام السوري؛ وقد يختلف المرء جذرياً مع بعض خياراته ومواقفه، بل يمكن أن يرى أن بعض رهاناته السياسية كانت متفائلة أكثر مما ينبغي، لكن هل يكفي ذلك لنتهمهُ بأنَّهُ كان «عميلاً» لمجرد أنه لم يتبنَّ الأسلوب السياسي الذي نفضلهُ نحن؟
إذا كان الهدوء السياسي، والحوار، والتفاوض مع الخصوم، ومحاولة انتزاع الحقوق عبر المؤسسات، تعني «العمالة»، فماذا سنفعل بتاريخ عشرات السياسيين الكُرد الذين اختاروا الدبلوماسية بدلاً من المواجهة؟ وهل أصبح اختلاف الوسيلة دليلاً على خيانة الغاية؟
الأمر نفسه يمكن أن ينطبق، بصورة أكثر قسوة، على الخالد ملا مصطفى بارزاني. فهل يجوز لنا اليوم أن نتهمه بالخيانة لأنه وثق بشاه إيران وبالدعم الأمريكي، أو لأنه راهن على حلفاء انتهوا في لحظة سياسية حاسمة إلى التخلي عن الثورة الكُردية؟
لقد كان البارزانيُ الخالد يعتمد، خلال ثورته في كُردستان (العراق/باشور)، على دعم إيراني وأمريكي سري، وكان هذا الدعم عاملاً مهماً في استمرار الثورة ومواجهة الجيش العراقي؛ وتشير الوثائق الأمريكية الرسمية إلى أن واشنطن وافقت منذ عام 1972 على تقديم مساعدات سرية للكُرد عبر قنوات غير مباشرة، بينما كان الشاه الإيراني يقدم دعماً عسكرياً وسياسياً للثورة.
ثم جاءت الصدمة الكبرى في آذار/مارس 1975، عندما وقّع شاه إيران وصدام حسين اتفاقية الجزائر، وانتهت بموجبه المساعدة الإيرانية للكُرد؛ وتؤكد وثائق وزارة الخارجية الأمريكية أن إيران أوقفت دعمها السري للكُرد، وأن الاتفاق تضمن ترتيبات حدودية مهمة، أبرزها قبول العراق مبدأ خط التالوك في شط العرب، مقابل إنهاء التدخل والدعم الإيراني للثورة الكُردية.
فهل كان ملا مصطفى بارزاني «عميلاً» لأنه وثق بإيران وأمريكا؟ أم أنه كان قائداً سياسياً وعسكرياً يحاول، في ظل موازين قوى إقليمية ودولية شديدة التعقيد، أن يستثمر تناقضات الدول لمصلحة شعبه؟ ثم أليس من الأجدى أن نقول إن بارزاني أخطأ في تقدير مدى التزام حلفائه، بدلاً من أن نحوله بأثر رجعي إلى «خائن»؟
الفرق هنا جوهري.
أن تخطئ في اختيار الحليف لا يعني أنك عميل لذلك الحليف؛ وأن تثق بدولة ثم تكتشف أنها مستعدة للتخلي عنك عندما تتغير مصالحها لا يعني أنك كنت تعمل لصالحها ضد شعبك.
بل إن تجربة 1975 نفسها تقدم لنا درساً بالغ القسوة في السياسة الكُردية: الدول لا تملك صداقات دائمة، وإنما مصالح دائمة؛ والشاه لم يكن يدعم الثورة الكُردية حباً بالكُرد، كما أن الولايات المتحدة لم تدخل على خط دعم الخالد بارزاني لأنها تبنت حق الكُرد في تقرير مصيرهم؛ كانت لكل من إيران والولايات المتحدة حساباته الإقليمية الخاصة؛ وعندما تغيّرت تلك الحسابات، انتهى الدعم فجأة؛ وقد وصفت وثائق أمريكية معاصرة الكُرد بأنهم كانوا «الخاسر الأكبر» من اتفاق الجزائر.
وهنا تكمن المفارقة التي يجب أن نتعلم منها: لو طبقنا منطق التخوين السهل، لكان بإمكان أي خصم سياسي أن يقول إن ملا مصطفى بارزاني كان «عميلاً إيرانياً» لأنه تعاون مع الشاه، أو «عميلاً أمريكياً» لأن واشنطن دعمت ثورته، ثم يستخدم انهيار ذلك التحالف دليلاً على خيانته.
لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة.
نحن نعرف اليوم أن الشاه تخلّى عن الكُرد، وأن واشنطن لم تمنع انهيار الثورة، وأن اتفاق الجزائر أنهى الدعم الإيراني وأدى إلى انهيار الجبهة الكُردية؛ لكننا لا نستطيع أن نعود إلى قرارات الخالد بارزاني في ذلك الزمن بعقلنا السياسي اليوم، ثم نحاكمهُ وكأنهُ كان يعرف مسبقاً ما ستفعله إيران وأمريكا عام 1975.
والشيء نفسه ينبغي أن ينطبق على حسن خيري بك.
قد يكون قد أخطأ في تقدير طبيعة المشروع الكمالي، وقد يكون قد راهن على إمكانية الشراكة مع الأتراك، وقد تكون حساباته السياسية قد فشلت؛ لكن الفشل السياسي لا يتحول تلقائياً إلى عمالة.
وإذا كنا نقبل بهذا المنطق مع شخصيات نعتبرها رموزاً قومية كُردية، فعلينا أن نطبقه أيضاً على الشخصيات التي نختلف معها؛ لا يجوز أن تكون القاعدة: «حليفي أخطأ في الحساب، أما خصمي فإذا أخطأ فهو عميل».
هذه ازدواجية لا تنتج تاريخاً، بل تنتج روايات سياسية متصارعة.
القضية ليست أن نحول الراحل عبد الحميد درويش إلى بطل، ولا أن نجعل ملا مصطفى بارزاني معصوماً من الأخطاء، ولا أن نقدم حسن خيري بك على أنه شخصية بلا أخطاء؛ القضية أبسط وأعمق: لا يجوز أن تكون كلمة «العمالة» بديلاً عن التحليل السياسي.
يمكن أن نقول إن هذا السياسي أخطأ، وإن ذاك بالغ في الثقة بحليف، وإن ثالثاً اختار طريقاً سياسياً لم نقتنع به، وإن رابعاً تأخر في إدراك حقيقة خصمه؛ كل ذلك مشروع في النقد السياسي.
أما «العمالة»، فهي تهمة من نوع مختلف تماماً، وتحتاج إلى دليل مختلف تماماً.
فالعميل ليس هو السياسي الذي أخطأ، ولا هو السياسي الذي تفاوض، ولا هو السياسي الذي اختار الدبلوماسية، ولا هو الذي وثق بحليف ثم خانه ذلك الحليف.
العميل هو من تثبت الوثائق أنه عمل لحساب جهة أخرى ضد مصالح شعبه.
وهنا نعود إلى حسن خيري بك.
إذا كانت هناك وثيقة تركية أصلية تثبت أنه كان يعمل لحساب الدولة التركية أو جهاز استخباراتها ضد الكُرد، فلتظهر هذه الوثيقة، ولتكن أساساً لحكم تاريخي جديد؛ أما إذا لم تكن هناك مثل هذه الوثيقة، فلا يجوز أن نحول اختلافه السياسي أو رهاناته الخاطئة إلى «حقيقة استخباراتية» لا وجود لدليل عليها.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بتاريخنا هو أن نحاكم السياسيين الكُرد فقط لأنهم لم يكونوا نسخة منا.
قد نختلف مع عبد الحميد درويش لأنه اختار الدبلوماسية، ونختلف مع حسن خيري لأنه راهن على الشراكة، ونختلف مع ملا مصطفى بارزاني لأنه وثق بحلفاء تخلوا عنه، لكن هذا كله يقع في دائرة النقد السياسي؛
أما التخوين، فيحتاج إلى وثيقة.
وهذه هي النقطة التي يجب أن نتعلمها من تاريخنا كله: السياسي الذي أخطأ في اختيار الطريق ليس بالضرورة عميلاً، والسياسي الذي أخطأ في اختيار الحليف ليس بالضرورة خائناً، والسياسي الذي وثق بخصمه ثم اكتشف خيانته ليس شريكاً في خيانة نفسه.
وإذا لم نفصل بين هذه المفاهيم، فسوف نبقى نعيد إنتاج المأساة نفسها: نقتل شخصياتنا مرة في حياتها، ثم نقتلها مرة ثانية بعد موتها في كتبنا ورواياتنا وتحليلاتنا التي لا تمت للحقيقة بصلة.
ألمانيا: 5 أيلول2026
* صحفي وكاتب كُردي