مقالات

كلما استفحل الداء، كثر الحديث عن الدواء

علي شمدين
يكثر الحديث، في هذه الأيام، حول أهمية العمل من أجل توحيد الحركة الكردية في سوريا، ولملمة صفوفها ضمن إطار واسع، تنبثق عنه مرجعية سياسية تمثل هذه الحركة على المستويين الداخلي والخارجي، وتقود نضالها في جميع المجالات. ولا شك أن هذا الحديث لم يأتِ من فراغ، بل يتزامن مع تفاقم ظاهرة الانشقاقات داخل صفوف معظم الأحزاب الكردية في سوريا، في وقت يقف فيه الشعب الكردي في سوريا أمام فرصة تاريخية حاسمة للنضال من أجل الحفاظ على وجوده بوصفه ثاني أكبر قومية في البلاد، ونيل حقوقه القومية المشروعة، وتثبيتها في الدستور الجديد.
كما أن هذه الدعوة ليست مطلباً صعبًا يستحيل تنفيذه، كما يعتقد البعض، ولا هي دعاية سياسية لإشغال الجماهير عن معاناتها، بل هي دعوة واقعية يمكن تنفيذها ميدانياً، إن صدقت النيات واستقلت الإرادات. وقد تجلّى ذلك، إلى حدّ ما، في كونفرانس قامشلو، الذي عُقد في 26 نيسان/أبريل 2025، واعتُبر خطوة موضوعية باتجاه توحيد الصف والموقف الكردي في سوريا. إذ تمكّن هذا الكونفرانس من جمع ممثلي جميع الأحزاب والمؤسسات الثقافية والاجتماعية الكردية تحت مظلته، إلى جانب ممثلي الأحزاب الكردستانية الرئيسية، وممثلي التحالف الدولي ضد الإرهاب في سوريا، كما تمكّن من حشد دعم جماهيري واسع لمخرجاته.
وفي الوقت الذي ينسجم فيه هذا الطرح مع رغبة الذين يريدون الخير للشعب الكردي في سوريا، وينتظرون من حركته السياسية الاستجابة العاجلة لمهامها النضالية، لتأخذ مكانها المناسب في العملية السياسية الجارية في البلاد، ولتشارك مشاركة حقيقية في بناء الدولة السورية الجديدة، التي لا بد أن تُبنى على أساس نظام ديمقراطي ولا مركزي وتعددي، يضمن الحقوق القومية لجميع مكوناتها، ولا سيما حقوق الشعب الكردي، الذي عانى مختلف أشكال الظلم والقهر والإنكار خلال العهود السابقة، فإن هناك، في الوقت نفسه، آراء تظهر هنا وهناك، يواجه أصحابها هذه الدعوة ويستخفون بها. ولا شك في أن لكل منهم مبرراته، فبعضهم يرى، وربما بحسن نية، أن الأولوية ينبغي أن تكون لتوحيد الأحزاب المنشقة عن بعضها، قبل الدعوة إلى توحيد الصف والموقف الكردي، وبعضهم الآخر يرى، بسوء نية على الأغلب، أن الحركة قد بلغت من التفتت والعجز درجة لم تعد الدعوة إلى توحيدها مجدية في نظرهم، فيدعون إلى نسفها من أساسها، ويطالبون قياداتها، ليل نهار، بالتنحي عن مواقعها وإخلائها لهم.
كما أسلفنا، إن الدعوة إلى توحيد الأحزاب المتقاربة واندماجها هي كلمة حق ينبغي دعمها، ويُفترض ألّا تتعارض مع الدعوة إلى توحيد الحركة الكردية وتشكيل مرجعيتها السياسية، بل أن تتكامل معها، أما الذين يطالبون بنسفها والشطب على تاريخها الذي يمتد، بسلبياته وإيجابياته، لما يقارب سبعة عقود من النضال المرير من أجل نشر الوعي القومي بين صفوف الشعب الكردي، والدفاع عن وجوده في وجه الأنظمة الشوفينية المتعاقبة وسياساتها القمعية ومشاريعها العنصرية البغيضة، فإنما يصبّون ، بوعي أو بدونه، الماء في طاحونة الجهات الشوفينية التي كانت ولا تزال تسعى إلى تشويه صورة هذه الحركة وقياداتها المناضلة، وترفض الاعتراف بها أو التعامل معها بشخصيتها الاعتبارية كممثل للشعب الكردي في سوريا.
ومن هنا، ومع تفشي ظاهرة الانشقاقات بين صفوف العديد من الأحزاب الكردية في سوريا، فمن الطبيعي أن يتكرر الحديث عن أهمية وحدة الصف والموقف الكردي، بل من الضروري الضغط باتجاه تشكيل مرجعية كردية شاملة، انطلاقاً من مخرجات كونفرانس نيسان 2025، مع علمنا بالتحديات والصعوبات التي تقف في طريق إنجازها، ومن البديهي أن يكثر الحديث عن الدواء بالتوازي مع استفحال الداء.
22 أيلول 2026

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب