حسن قاسم
في المجتمعات التي تسعى إلى بناء حياة سياسية سليمة ودولة ديمقراطية، لا ينبغي النظر إلى العمل السياسي والعمل المدني باعتبارهما مجالين متنافسين أو متناقضين، بل باعتبارهما مسارين مختلفين في الوسائل والأدوار، يمكن أن يلتقيا في خدمة الأهداف الوطنية والمجتمعية المشتركة.
فالعمل السياسي يرتبط أساساً بإدارة الشأن العام والسعي إلى الوصول إلى مواقع القرار والتأثير في السياسات العامة، من خلال الأحزاب والتيارات السياسية والانتخابات والمؤسسات الدستورية. أما العمل المدني فينطلق من المجتمع، ويمثل مصالحه واحتياجاته، ويدافع عن الحقوق والحريات، ويراقب أداء المؤسسات والقوى السياسية، ويسهم في بناء الوعي وتنظيم المبادرات المجتمعية.
لكل مجال وظيفته
العمل السياسي يضع البرامج والرؤى المتعلقة بإدارة الدولة والمجتمع، ويخوض المنافسة السياسية، ويسعى إلى ترجمة أفكاره إلى سياسات وقرارات وتشريعات. ومن مسؤولياته أيضاً تقديم البدائل، وتحمل مسؤولية القرارات عندما يصل إلى موقع السلطة، والدفاع عن المصالح الوطنية ضمن الأطر السياسية والدستورية.
أما العمل المدني فوظيفته مختلفة؛ فهو لا يسعى بالضرورة إلى السلطة، وإنما إلى التأثير في السياسات ومراقبة أداء السلطات والقوى السياسية، والدفاع عن حقوق المواطنين، ونشر ثقافة الحوار والمواطنة والسلم الأهلي، وتنظيم المبادرات المتعلقة بالتعليم والمرأة والشباب وحقوق الإنسان والتنمية وغيرها.
ومن هنا، فإن المجتمع المدني القوي لا يعني وجود حزب سياسي جديد، كما أن الأحزاب السياسية لا تستطيع أن تحل محل المجتمع المدني.
أين تكمن الاختلافات؟
الاختلاف الأساسي يكمن في الغاية المباشرة والوسائل.
الحزب السياسي يسعى إلى الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها والتأثير المباشر في القرار السياسي، بينما تسعى مؤسسات المجتمع المدني إلى التأثير في القرار من خارج السلطة، مع احتفاظها باستقلاليتها.
والسياسي يحتاج إلى برنامج انتخابي وتنظيم وقاعدة جماهيرية، بينما يحتاج العمل المدني إلى الاستقلالية والمصداقية والقدرة على تمثيل المصالح المجتمعية المختلفة.
كما أن من طبيعة العمل السياسي أن يدخل في المنافسة والاختلاف، بينما يفترض بالعمل المدني أن يكون مساحة أوسع للحوار والتقريب بين مختلف الفئات، وأن يدافع عن المبادئ والحقوق بعيداً عن الاصطفافات الحزبية الضيقة.
الاختلاف لا يعني القطيعة
لكن استقلال العمل المدني عن السياسي لا يعني القطيعة معه.
هناك أهداف كبرى يمكن أن يلتقي حولها الطرفان، مثل الديمقراطية، والعدالة، وحقوق الإنسان، والمساواة، والاعتراف بالحقوق القومية والثقافية، وبناء دولة المؤسسات، وترسيخ السلم الأهلي.
وهنا تظهر أهمية العلاقة التكاملية: السياسي يحول المطالب العامة إلى برامج ومشاريع سياسية وتشريعية، والمدني يساهم في بلورة هذه المطالب، ويراقب تنفيذها، وينقل صوت المجتمع إلى أصحاب القرار.
وفي الحالة الكوردية بصورة خاصة، تبرز الحاجة إلى هذا التكامل أكثر من أي وقت مضى. فالقضية الكوردية ليست شأناً حزبياً محصوراً بالأحزاب والتنظيمات السياسية، وإنما قضية مجتمع وشعب وحقوق وهوية ومستقبل. ولذلك فإن إشراك الأكاديميين والمثقفين والشخصيات المستقلة ومنظمات المجتمع المدني في صياغة الرؤية الوطنية يمكن أن يوسع دائرة المشاركة ويعزز شرعية أي مشروع سياسي.
كيف نربط المسارين؟
الربط الصحيح لا يكون بإخضاع المدني للسياسي، ولا بتحويل الأحزاب إلى منظمات مجتمع مدني، وإنما من خلال تنسيق الأدوار مع الحفاظ على الاستقلالية.
يمكن أن يجتمع السياسي والمدني حول طاولة واحدة عندما يتعلق الأمر بقضايا وطنية كبرى، وأن يتبادلا الرؤى والمعلومات والخبرات، وأن يتفقا على المبادئ العامة، بينما يحتفظ كل طرف بحقه في اتخاذ مواقفه وأدواته الخاصة.
فالعمل المدني يستطيع أن يكون عين المجتمع على العمل السياسي، والوسيط الذي ينقل مطالب الناس، والمساحة التي تجمع المختلفين، بينما يستطيع العمل السياسي أن يوفر القنوات والمؤسسات اللازمة لتحويل المطالب المشروعة إلى قرارات وسياسات وقوانين.
نحو شراكة لا تبعية
المطلوب إذن ليس دمج العمل السياسي بالعمل المدني، وإنما بناء شراكة وطنية قائمة على الاستقلال والتكامل.
السياسي يحتاج إلى المجتمع المدني حتى لا ينفصل عن المجتمع، والمدني يحتاج إلى العمل السياسي حتى لا تبقى مطالبه مجرد بيانات ومبادرات لا تجد طريقها إلى مؤسسات القرار.
وعندما يعرف كل طرف حدوده وواجباته، ويتخلى عن عقلية الهيمنة والإقصاء، يصبح الاختلاف بينهما مصدر قوة لا سبباً للصراع.
السياسي يعمل من أجل الوصول إلى القرار والتأثير فيه، والمدني يعمل من أجل التأثير في القرار ومراقبته وحماية مصالح المجتمع. وبين الدورين يمكن أن تنشأ شراكة حقيقية، يكون هدفها الإنسان والمجتمع والوطن، لا الحزب أو المنظمة أو الأشخاص.
وهذا هو جوهر العلاقة الصحية بين السياسة والمجتمع المدني: استقلال في الأدوار، وتكامل في الأهداف، وتعاون في القضايا المشتركة، ورقابة متبادلة، واحترام دائم لإرادة المجتمع.



