جوان عصمت سيدا Ciwan Ismet Seyda
سبعة وثلاثون عامًا مضت على رحيل والدي ورفيقي عصمت سيدا، وما زالت ذكراه حاضرة في ذاكرتي، كما بقيت سيرته ومواقفه جزءًا من ذاكرة الحركة الوطنية والقومية الكردية في كوردستان سوريا.
ينحدر الرفيق عصمت سيدا من عائلة ذات تاريخ وطني وقومي عريق؛ فقد كان عمه الملا عبيد الله ووالده الملا فتح الله من علماء الدين المعروفين في الطريقة النقشبندية في كوردستان الشمالية، وكانا من المشاركين في ثورة بدليس عام 1908. وبعد الحرب العالمية الأولى، هاجرا من منطقة هيزان التابعة لولاية بدليس إلى مدينة داره(Darê) الواقعة في جنوب كوردستان الشمالية، ومنها انتقلا إلى مدينة عامودا في كوردستان سوريا، حيث استقرا فيها.
وقد تتلمذ على أيديهما عدد من الوطنيين الأكراد، من أمثال جكرخوين، وملا عبد اللطيف، وملا شيخموسى قرقاتي. وعند اندلاع ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925 ضد الدولة التركية الكمالية، شارك الملا عبيد الله في الثورة من خلال تسليح الشباب وإرسالهم للقتال إلى جانب الشيخ سعيد بيران، ولذلك أصدرت السلطات التركية آنذاك حكمًا غيابيًا بالإعدام بحقه.
وفي عام 1944 انتقل الملا فتح الله، والد عصمت، إلى قرية سيحة التابعة لناحية تربه سبيه، وهناك وُلد عصمت. وفي عام 1945 عاد الملا فتح الله إلى عامودا، التي كانت في تلك الفترة مدينة مزدهرة مقارنة بمناطق الجزيرة الأخرى، وهناك نشأ عصمت وترعرع.
ومنذ سنواته الأولى، بدأت تظهر لدى عصمت ملامح الجرأة والشجاعة والحماس، ولم يكن صغر سنه عائقًا أمام التعبير عن مواقفه. ففي اليوم الثاني لحريق سينما عامودا عام 1960، ورغم حداثة سنه، قاد بنفسه، مع مجموعة من الشباب اليافعين، مظاهرة أمام مقبرة عامودا، مطالبين بالتحقيق في كارثة الحريق وكشف المسؤولين عنها، وحمّلوا جمال عبد الناصر ومن يمثله المسؤولية. ويشهد على ذلك من كان حاضرًا في المقبرة آنذاك، وقد سمعت هذه الواقعة مباشرة ممن عايشوها، وإن كان معظمهم قد رحلوا عن الدنيا.
وعند تأسيس أول حزب سياسي كوردي في كوردستان سوريا، الحزب الديمقراطي الكوردستاني ـ البارتي، عام 1957، انتسب الوالد عصمت إلى صفوفه كعضو خلية نظرًا لصغر سنه. وبعد انقسام البارتي عام 1965 إلى جناحين، اليمين واليسار، وقف الوالد عصمت إلى جانب اليسار، وأصبح عام 1969 عضوًا قياديًا في الحزب اليساري، ثم أمينًا عامًا للحزب عام 1975، وبقي في هذا المنصب حتى وافته المنية عام 1989.
والجدير بالذكر أن الرفيق عصمت كان سياسيًا يمتلك فكرًا سياسيًا قائمًا على التحليل والتمحيص، وكان من أعضاء وفد اليسار في مؤتمر المصالحة بين اليمين واليسار الذي دعا إليه الملا مصطفى البارزاني بهدف توحيد الحزبين. وقد أُعجب به البارزاني الخالد لدقة ملاحظاته وعمق آرائه.
كما كان عصمت من أوائل الذين دعوا إلى توحيد الفصائل الكوردية المتقاربة فكريًا، انطلاقًا من قناعته بأن توحيد جميع الفصائل الكوردية في حزب واحد أمر صعب، بينما يمكن توحيد القوى المتقاربة فكريًا وسياسيًا ضمن إطار مشترك.
ومن ملامح نظرته السياسية أيضًا أنه تنبأ بانهيار الاتحاد السوفياتي بعد عودته من هناك عام 1988، معتبرًا ذلك نتيجة حتمية للتناقضات الداخلية والخارجية في سياسة قائد المعسكر الاشتراكي آنذاك.
وفي عام 1980، قدم إلى منزله في قامشلو، قادمًا من كوردستان الشمالية، القائد الكوردي عبد الله أوجلان «آبو»، في وقت لم يكن فيه حزب العمال الكوردستاني قد وصل بعد إلى الحجم الذي أصبح عليه لاحقًا. وبعد فترة من الزمن، سافرا معًا إلى دمشق ولبنان، حيث تعرّف القائد آبو، عن طريق عصمت، على عدد من المنظمات الفلسطينية، كالجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بقيادة نايف حواتمة وغيرها من التنظيمات الفلسطينية. وكانت هذه العلاقات بداية تحوّل في علاقات حزب العمال الكوردستاني من الإطار المحلي الكوردي إلى الإطار الخارجي.
ولهذا كان للحزب اليساري في عهد عصمت دور فعال في الحركة الكوردية، وكان من الأحزاب الطليعية فيها، وقد خسر الحزب برحيله خسارة كبيرة، وتعرض بعد وفاته لانتكاسات وانقسامات عدة.
وإلى جانب الحقل السياسي، كان الوالد عصمت إنسانًا مرهف الإحساس، مولعًا منذ شبابه بالعزف على آلة البلور، وإنسانًا متواضعًا كثير التجوال في قرى المنطقة سيرًا على الأقدام، وفي أحياء مدينة قامشلو بدراجته الهوائية، متنقلًا للقيام بواجباته الوطنية والاجتماعية.
وكان أيضًا شاعرًا شعبيًا، ألّف العديد من القصائد، وله ديوان شعري مطبوع بعنوان Mistek Azar «حفنة عذاب»، إضافة إلى العديد من القصائد الغزلية والاجتماعية والقومية الأخرى، التي لم يمهله القدر لجمعها وإصدارها في ديوان شعري.
توفي عصمت وهو في ريعان شبابه، عن عمر يناهز الخامسة والأربعين عامًا، في 6 أيلول عام 1989، في إحدى مشافي حلب، أثناء إجرائه عملية في الكلية. وفي 7 أيلول، خرجت جنازته المهيبة، وشارك الآلاف من أبناء الشعب الكوردي في تشييع جثمانه من مدينة قامشلو حتى مقبرة عامودا، حيث ووري الثرى.
سبعة وثلاثون عامًا مرّت على رحيله، لكن غياب الإنسان لا يعني غياب أثره؛ فما زالت سيرة عصمت سيدا حاضرة في ذاكرة من عرفه ورافقه، وما زالت مواقفه وشعره ونضاله جزءًا من ذاكرة جيل كامل.
رحمك الله يا والدي ورفيقي عصمت سيدا، وستبقى ذكراك حاضرة ما بقيت الذاكرة.