الحقوق لا تتجزأ.. قراءة قانونية في المرسوم رقم 13 وحقوق الشعب الكوردي في سوريا

المحامي عبدالرحمن محمد

الحقوق لا تتجزأ، والاقرار بالحق كاشف له وليس منشئا له. كما ان الاعتراف بالهوية الجامعة للدولة ليس منة من احد، بل هو حق وواجب ومسؤولية وطنية وسياسية واخلاقية.

تكمن المشكلة الاساسية في ذهنية السلطة الانتقالية المؤقتة في دمشق، وفي نمط التفكير الذي يحكم مقاربتها للقضية الكوردية، ولا سيما عندما يكرر بعض مسؤوليها ان اهلنا واخوتنا الكورد قد حصلوا على كامل حقوقهم بموجب المرسوم رقم 13 لعام 2026.

غير ان قراءة مضمون المرسوم من زاوية القانون الدولي والاتفاقيات والعهود الدولية، ومن منظور الحقوق السياسية والقومية للشعوب، تكشف عن جملة من النواقص والاشكاليات الجوهرية التي تستوجب النقاش.

اولا: الدستور، لا المرسوم، هو الضامن للحقوق

ان الدستور هو الاطار السياسي والقانوني الاعلى الذي يفترض ان يكفل ويضمن حقوق الشعب الكوردي، بما فيها حقوقه القومية والسياسية وحقه في تقرير مصيره الداخلي، ضمن صيغة دستورية متوافق عليها، يمكن ان تتجسد في نظام اتحادي فيدرالي يقوم على اسس ومعايير سياسية وحقوقية وقومية وجغرافية واضحة.

اما المراسيم، مهما بلغت اهميتها، فلا يمكن ان تكون بديلا عن الضمانات الدستورية الدائمة، لانها تبقى مرتبطة بمرحلة سياسية وسلطة تنفيذية قابلة للتغيير.

ثانيا: المرسوم لم يعترف بالكورد بوصفهم شعبا او قومية

لم يعتبر المرسوم رقم 13 الكورد شعبا قائما بذاته، ولا حتى اقلية قومية، بل تعامل معهم، في جوهره، بوصفهم مكونا ذا خصوصية ثقافية ولغوية.

وهذا الامر لا يشكل، من وجهة نظرنا، مجرد نقص في الصياغة القانونية، بل يعكس استمرارا لسياسة انكار الحقوق السياسية ونفي الهوية القومية الكوردية، وعدم الاعتراف بالكورد بوصفهم شعبا اصيلا يعيش على ارضه التاريخية منذ ما قبل تأسيس الدولة السورية ورسم حدودها الحديثة.

فالجغرافيا السياسية الحالية للمنطقة هي نتاج تحولات واتفاقيات دولية تاريخية، من بينها اتفاقيات وتقاسمات النفوذ التي اعقبت الحرب العالمية الاولى، وهو ما يجعل القضية الكوردية اقدم من حدود الدول القائمة اليوم.

ومن هنا، يبدو ان المرسوم صدر، بدرجة كبيرة، لمعالجة ظرف سياسي آني، اكثر من كونه تأسيسا قانونيا وحقوقيا شاملا لحل القضية الكوردية.

ثالثا: اللغة الكوردية والاعتراف الناقص بالهوية

ان عدم اعتبار الكورد شعبا او قومية ينعكس بصورة مباشرة على موقع اللغة الكوردية.

فالمرسوم لم يجعل اللغة الكوردية لغة رسمية الى جانب اللغة العربية، بل تعامل معها كلغة وطنية يمكن استخدامها في مجالات محددة من التعليم والثقافة، دون ان يضمن تدريسها كلغة تعليم متكاملة في جميع المراحل والمواد، او يحدد موقعها في الجامعات السورية بصورة واضحة.

وهنا تبرز مفارقة لافتة، اذ توجد في الجامعات السورية اقسام لتدريس لغات عالمية واقليمية، كالانجليزية والفرنسية والفارسية والتركية، في حين ما تزال اللغة الكوردية، وهي لغة شريحة اصيلة وكبيرة من السوريين، بحاجة الى اعتراف اكاديمي ومؤسساتي اوسع.

فاللغة الكوردية ليست مجرد لغة منزل او شارع او نشاط ثقافي، بل تشكل احد ابرز عناصر الهوية القومية والثقافية للشعب الكوردي.

والاعتراف الرسمي بها ليس هو الذي ينشئ الوجود التاريخي للشعب الكوردي، وانما يمثل اقرارا بحق قائم واصيل.

رابعا: حق تقرير المصير حق للشعوب

يعد حق الشعوب في تقرير مصيرها احد المبادئ الاساسية المعترف بها في القانون الدولي.

وهو، من حيث المبدأ، حق للشعوب في اختيار اوضاعها السياسية وتحديد مساراتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ومن هذا المنطلق، لا يجوز اختزال القضية الكوردية في مسائل ثقافية او ادارية فقط، او التعامل معها باعتبارها مشكلة خدمات او مناصب او امتيازات، لانها قضية سياسية وحقوقية تتعلق بشعب وهويته ومشاركته في تحديد شكل الدولة ونظام الحكم ومستقبله السياسي.

خامسا: الاعلان الدستوري والمرجعيات الدولية

ينبغي الاحتكام الى نصوص الاعلان الدستوري السوري المؤقت، ولا سيما المواد التي تتصل بمكانة القانون الدولي والاتفاقيات والعهود الدولية التي التزمت بها سوريا، باعتبارها مرجعيات اساسية عند تفسير الحقوق والحريات وتنفيذها.

ومن هنا، فان اي نص تشريعي او مرسوم ينبغي الا يتعارض مع المبادئ الاساسية لحقوق الانسان وحقوق الشعوب والمساواة وعدم التمييز.

سادسا: اين المساواة في الحقوق

اذا كان الاعلان الدستوري يؤكد مبدأ المساواة بين المواطنين امام القانون، فان السؤال المشروع هو: كيف يمكن تطبيق هذا المبدأ في ظل تفاوت المكانة القانونية والسياسية للغات والهويات القومية في البلاد؟

فالمساواة لا تعني فقط المساواة الفردية امام المحاكم والادارة، بل ينبغي ان تنعكس ايضا في السياسات العامة وفي الاعتراف المتوازن بالتعدد القومي والثقافي واللغوي في الدولة.

ولا يمكن بناء دولة جديدة على الاعتراف النظري بالتعدد، مع استمرار هيمنة هوية واحدة على المجال الدستوري والسياسي والثقافي.

سابعا: اشكالية الدولة المركزية وهوية الدولة

لا تزال سوريا، وفق البنية السياسية القائمة، دولة مركزية، في وقت تغيب فيه صيغة واضحة لهوية وطنية جامعة تعكس حقيقة التنوع القومي والديني والثقافي والاجتماعي في البلاد.

ان بناء الهوية الوطنية السورية الجديدة يتطلب الانتقال من مفهوم الهوية الاحادية الى مفهوم الدولة الجامعة التي يشعر جميع ابنائها بانهم شركاء متساوون في تعريفها وبناء مؤسساتها وصنع قراراتها.

فالهوية الوطنية الجامعة لا تلغي الهويات القومية والدينية والثقافية المختلفة، بل تعترف بها وتحميها ضمن اطار دستوري مشترك.

ثامنا: اين الحقوق السياسية للشعب الكوردي

تبقى المسألة الجوهرية هي غياب الحديث الواضح عن الحقوق السياسية للشعب الكوردي، بما في ذلك حقه في المشاركة في تقرير شكل الدولة ونظام الحكم وفي ادارة مناطقه وشؤونه ضمن اطار دستوري متوافق عليه.

وينص ميثاق الامم المتحدة وغيره من المواثيق الدولية على مبادئ المساواة بين الشعوب وحقها في تقرير مصيرها.

ومن هنا، ينبغي ان تكون المساواة السياسية مكونا اساسيا لاي حل مستقبلي، لا ان يقتصر الامر على الحقوق الثقافية والتعليمية.

كما تبرز تساؤلات مرتبطة بعلاقة الدولة بالدين ومدى توافق بعض الشروط الدستورية، ومنها تحديد دين رئيس الدولة، مع مفهوم المواطنة المتساوية في مجتمع متعدد الاديان والمذاهب والقوميات.

تاسعا: اللامركزية الادارية ليست بديلا عن الحل السياسي

ان الاصرار على طرح اللامركزية الادارية باعتبارها حلا للمسألة الكوردية ينطوي على خلط بين مفهومين مختلفين.

فاللامركزية الادارية هي اسلوب لتنظيم الادارة وتوزيع الوظائف والصلاحيات الخدمية بين المركز والوحدات المحلية، ويمكن تطبيقها في الدولة المركزية كما يمكن تطبيقها في الدولة الاتحادية.

لكنها ليست، في حد ذاتها، نظاما لتقاسم السلطة السياسية والسيادة والقرار، ولا تشكل اعترافا تلقائيا بالحقوق القومية والسياسية للشعوب.

وبالتالي، لا يمكن اعتبار اللامركزية الادارية بديلا عن معالجة جوهر القضية الكوردية بوصفها قضية سياسية وحقوقية.

عاشرا: تجاهل البعد السياسي والتاريخي للقضية الكوردية

ان تجاهل الحقوق السياسية للشعب الكوردي، وعدم الاعتراف الواضح به بوصفه شعبا، الى جانب تجاهل البعد الجغرافي والتاريخي لقضيته وعدم الاقرار بالمظلومية التاريخية التي تعرض لها، لا يمكن عزله عن الصراعات والتوازنات الاقليمية والدولية المحيطة بسوريا.

كما لا يمكن تجاهل تاثير التدخلات الخارجية، ومنها الدور التركي وتاثيره في عدد من الملفات السورية والكوردية، عند تحليل طريقة تعامل السلطات السورية مع القضية الكوردية.

لكن مهما بلغت تاثيرات القوى الاقليمية والدولية، فان معالجة القضية الكوردية يجب ان تنطلق اولا من كونها قضية سورية داخلية تتطلب حلا سياسيا ودستوريا عادلا بين السوريين انفسهم.

اخيرا

قد يكون المرسوم رقم 13 خطوة اولى او نقطة في بداية خارطة طريق طويلة، ويمكن النظر بايجابية الى اي اجراء يزيل جزءا من اثار سياسات الانكار السابقة.

لكن القضية الكوردية لا يمكن اختزالها في مرسوم، ولا في اللغة والثقافة وحدهما، ولا في قضية دمج عسكري او اداري، ولا في توزيع مناصب وامتيازات على افراد او جهات.

القضية الكوردية، في جوهرها، قضية سياسية وحقوقية لشعب حرم لعقود طويلة من الاعتراف الكامل بحقوقه القومية والسياسية.

ومن اجل بناء سوريا الجديدة، لا بد من دستور ديمقراطي توافقي يعترف بهوية وطنية جامعة، ويصون التعدد القومي والثقافي والديني واللغوي والاجتماعي، ويؤسس لدولة المواطنة والمساواة والشراكة الحقيقية.

دولة لا تفرض فيها هوية واحدة، ولا لغة واحدة، ولا دين او طائفة واحدة بوصفها معيارا للانتماء والمواطنة، بل يشعر فيها كل مواطن بانه شريك كامل في وطنه، بصرف النظر عن اصله القومي او لغته او دينه او مذهبه.

فالدولة المستقرة لا تبنى بالانكار، ولا بارجاء الحقوق، بل بالاعتراف المتبادل والشراكة والعدالة.

فالحقوق لا تتجزأ، والاعتراف بها لا ينشئها، وانما يقر بحق قائم لاصحابه.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جوان عصمت سيدا Ciwan Ismet Seyda سبعة وثلاثون عامًا مضت على رحيل والدي ورفيقي عصمت سيدا، وما زالت ذكراه حاضرة في ذاكرتي، كما بقيت سيرته ومواقفه جزءًا من ذاكرة الحركة الوطنية والقومية الكردية في كوردستان سوريا. ينحدر الرفيق عصمت سيدا من عائلة ذات تاريخ وطني وقومي عريق؛ فقد كان عمه الملا عبيد الله ووالده الملا فتح الله من علماء الدين…

لوند حسين* ثمة شخصيات في التاريخ الكُردي لا يظلمها أعداء الكُرد وحدهم، بل قد يظلمها الكُرد أيضاً عندما نقرأ تاريخها بعين الخلافات السياسية اللاحقة، ونحاكم أصحابها بأحكام لم تكن موجودة في زمنهم؛ وحسن خيري بك واحد من أكثر هذه الشخصيات إثارةً للجدل، وربما واحد من أكثرها تعرضاً للظلم وسوء القراءة في تاريخ الكُرد الحديث؛ فبينما يصر بعض الكتاب والباحثين الكُرد…

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني في تاريخ الصراعات السياسية، هناك مواقف تنتهي بانتهاء أصحابها، وأخرى تتحول إلى ذاكرة جماعية تتناقلها الأجيال وتعيد إنتاجها بأشكال جديدة. ولعل مفهوم “الثبات على الموقف” في التجربة التي خاضتها منظمة مجاهدي خلق الإيرانية ينتمي إلى النوع الثاني؛ إذ لم يبقَ مجرد توصيف أمني استخدمته أجهزة القمع لتمييز المعتقلين، بل تحول مع…

صلاح بدرالدين الحركات السياسية، بكل تلاوينها القومية، والاجتماعية، والثقافية، وطبائعها المدنية، والعسكرية، وفي كل زمان ومكان، معرضة للخلاف، والاجتهاد، والتمايز، والانقسام. هذا ما نجده في تاريخ الشعوب والبلدان قديماً وحديثاً. وما يتعلق الأمر بخلافات الأحزاب، فإنها تتخذ مسارات عدة، والانشطارات توصف بتسميات عديدة؛ فالأحزاب اليسارية تصف المنشقين عنها بالمرتدين، والتحريفيين، أما الأحزاب والجماعات الآيديولوجية وشبه العسكرية فتطلق على الخارجين عنها…