د. مرشد اليوسف
لم أكن يوما محايدا، فقد كنت أميل إلى طرف وأؤيده في المرحلة الأولى.
ولم اخف ميلي وتأييدي هذا، ولكن كنت أرى اشياء جيدة هنا وأشياء جيدة هناك وانبذ الأفكار الحزبية الضيقة .
ولم اشترك يوما في المهاترات والصراعات بين الجهتين.
بل كنت أسعى دوما لدمج الجانب الطيب والمفيد لدى الطرفين .
واحترمت موقعي كأكاديمي وكمواطن كردي وحدوي. ولكن في الآونة الاخيرة حصلت تطورات دراماتيكية في القضية القضية الكردية في روجافا حيث خسر أحد الأطراف المعركة أمام تركيا والجيش السوري المتحالف معها .
وبدأ كل طرف يكيل الاتهامات للطرف الآخر .
ومازالت المعركة الإعلامية على اشدها بين الطرفين .
وكان عليّ أن أهدّئ الموقف، فجمعتُ دكتورَين كرديَّين في كافتيريا الموعد. لهما باع طويل في السياسة الكردية وفي الحوار. وكل واحد من هم يمثل طرفا من الطرفين لأعرف رأي كل واحد منهما حول الحدث والتطورات اللاحقة، على أمل أن يساهم ذلك في وقف الحرب الاعلامية بينهما .
وفعلا تم الاجتماع ودار بينهما الحوار التالي :
الدكتور المؤيد للإدارة الذاتية وقسد :
— دعني أبدأ من النقطة التي يحاول البعض الهروب منها. طوال سنوات الأزمة السورية، كنا نحن في الميدان، ندفع الثمن ونقاتل ونواجه تركيا وحلفاءها، بينما كانت قيادات الطرف الآخر يعيشون في حالة من الراحة السياسية، ويجلسون في حضن المخابرات التركية، ويتنقلون بين الفنادق التركية ويتقاضون الرواتب بالدولار الأخضر . وكأن ما يجري في سوريا لا يعنيهم. كانوا يتحدثون عن القضية الكردية من قاعات الفنادق، بينما كان شبابنا يموتون على الجبهات.
الدكتور المؤيد لخط الأنكسي :
— هذه اتهامات باطلة ورواية حزبية انتقائية. أنتم تختصرون السياسة في البندقية، وكأن من لا يقاتل إلى جانبكم خائن للقضية. السياسة ليست فقط الجبهات والمعارك. نحن اخترنا طريقاً سياسياً مختلفاً، وكانت لنا علاقات إقليمية ودولية، وهذا لا يعني أننا بعنا الكرد أو تخلينا عن قضيتهم.
الدكتور القسدي :
— العلاقات شيء، والارتهان شيء آخر. المشكلة أنكم لم تكتفوا بالعلاقات السياسية، بل جعلتم تركيا مرجعية في كثير من مواقفكم. كيف يمكن لقوة إقليمية تعتبر المشروع الكردي خطراً عليها أن تكون في الوقت نفسه حليفاً استراتيجياً لكم؟
الدكتورالأنكسي :
— وأنتم ماذا فعلتم؟ أقمتم مشروعاً سياسياً وعسكرياً كاملاً في شمال وشرق سوريا تحت شعار الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب، ثم سلمتم قراركم إلى القوى الدولية، وخصوصاً الولايات المتحدة. هل أصبحت واشنطن فجأة حليفاً قومياً للكرد؟ السياسة مصالح متبادلة، وليست شعارات.
الدكتورالقسدي :
— الفرق أن علاقتنا مع الولايات المتحدة كانت نتيجة ظرف عسكري محدد، لقد دافعنا عن شعبنا في مواجهة خطر الابادة وتنظيم داعش، ولم نقل يوماً إن واشنطن أصبحت صاحبة القرار في قضيتنا. أما أنتم فمشكلتكم أنكم لم تدركوا أن تركيا لا تريد مشروعاً كردياً مستقلاً على حدودها، مهما كان الحزب الذي يحمله.
الدكتورالأنكسي :
— ومشكلتكم أنكم لا تقبلون شريكاً كردياً مستقلاً عنكم. تريدون أن يكون القرار الكردي محصوراً في مشروعكم، ومن يختلف معكم يصبح عميلاً أو خائناً أو نائماً في حضن تركيا.
الدكتور القسدي :
— لأننا دفعنا ثمناً كبيراً، ولأننا نعرف ماذا يعني أن يتحول الخلاف الكردي إلى أداة بيد الآخرين.
الدكتور الانكسي :
— بل لأنكم لا تقبلون النقد. أنتم بنَيتم سلطة سياسية وعسكرية واسعة، ثم أصبح كل نقد لها مؤامرة. لا يمكن أن تطلبوا من الشعب الكردي أن يمنحكم ثقته المطلقة، ثم تمنعوا الآخرين من مساءلتكم.
الدكتور القسدي :
— نحن أخطأنا، نعم، لكننا لم نتاجر بالقضية الكردية. قاتلنا من أجلها، وبنينا مؤسسات إدارية ومدارس وجامعات تعليمية باللغة الكردية، ودفعنا تضحيات لا يمكن إنكارها.
الدكتورالانكسي:
— والتضحيات لا تمنح أحداً صكاً على بياض. القضية الكردية ليست ملكاً لحزب، ولا يجوز لأي قيادة أن تستخدم آلام الشعب الكردي لتبرير أخطائها أو احتكار تمثيله.
الدكتور القسدي :
— وأنتم أيضاً لا تملكون حق الحديث عن احتكار القضية، وأنتم متهمون بأنكم جعلتم القرار الكردي رهينة بيد تركيا .
الدكتور الأنكسي:
— وأنتم جعلتم القرار الكردي رهينة لمشروع أيديولوجي مغلق. المشكلة ليست فقط في تحالفاتكم، بل في بنيتكم السياسية نفسها. لا تقبلون التعدد الحقيقي، ولا تريدون منافساً يشارككم القرار.
الدكتور القسدي :
— وهل تريد مني أن أتجاهل أنكم وقفتم عملياً إلى جانب خصومنا عندما كنا نقاتل؟
الدكتور الانكسي :
— وأنا أقول لك: وهل تريد مني أن أتجاهل أنكم تعاملتم مع بقية انكسي باعتبارها قوى منافسة يجب تحجيمها لا شريكاً يجب احترامه؟
ساد الصمت للحظات.
ثم قلت لهما:
— أعتقد أن المشكلة أصبحت واضحة. أنتم لا تختلفون فقط على الوسائل، بل تختلفون على تعريف الخطأ نفسه. كل طرف يرى أخطاءه اجتهاداً سياسياً، ويرى أخطاء الطرف الآخر خيانة للقضية.
نظر إليّ الدكتوران، فتابعت:
— لكن هناك سؤالاً أهم من كل هذه الاتهامات: بعد كل ما حدث، هل يستطيع الكرد أن يستمروا في إدارة خلافاتهم بهذه الطريقة؟
قلت لهما إن القضية الكردية أكبر من البرزانية والأوجلانية، وأكبر من أي حزب أو قيادة. فإذا كانت لدى أحد الطرفين تجربة ناجحة، فليأخذ منها الآخر ما ينفع شعبه، وإذا كانت لدى الطرف الآخر أخطاء، فليكن نقدها بهدف التصحيح لا بهدف الإلغاء.
فالخطر الحقيقي ليس أن يختلف الكرد.
فالاختلاف امر طبيعي.
الخطر أن يستمر الخلاف والاختلاف إلى أمد طويل، وأن يصبح كل طرف سعيداً بفشل الطرف الآخر ولو كان الثمن خسارة الكرد جميعاً.
وهنا انتهى الجزء الأول من الحوار، لكن السؤال بقي مفتوحاً أمامنا جميعاً:
هل يستطيع الكرد أن يتحولوا من التنافس على تمثيل القضية إلى الشراكة في حمايتها؟
البقية في تكملة الحوار .