عزالدين ملا
أيها السادة، الشعب ليس قطيعا من المتفرجين على بازاركم السياسي، وليس مطلوبا منه أن يصفق كلما أطلقتم شعارا ضخما أو افتعلتم معركة جديدة حول كلمة ومصطلح ولهجة وهوية.
الشعب لديه ما هو أهم من كل هذه المسرحيات:
يريد أن يأكل… يريد أن يعمل… يريد كهرباء وماء ودواء… ويريد مازوتا يكفيه ليبقى أطفاله دافئين في الشتاء.
أما أن تجلسوا في الغرف الدافئة، وتتنازعوا على اللغة والشعارات، ثم تطلبوا من مواطن يرتجف من البرد أن يتحمس لمعركة المصطلحات، فهذه ليست قيادة… هذه إهانة لذكاء الناس وكرامتهم.
ماذا يفعل الجائع باللغة؟
ماذا يفعل الفقير بالشعارات؟
وماذا تفعل أمّ ترتجف خوفا على أطفالها من برد الشتاء بكل خطبكم الرنانة؟
هل سيغلي الشعار في قدر الطعام؟
هل ستشتعل اللغة في المدفأة؟
هل ستدفع البيانات فاتورة الكهرباء؟
كفى… لقد ملّ الناس من هذه المتاجرة الرخيصة بالأوجاع.
كلما عجزتم عن تقديم خدمة، أخرجتم شعارا.
كلما فشلتم في معالجة أزمة، افتعلتم معركة جانبية.
وكلما طالب الناس بحقهم في حياة طبيعية، ألقَيتم في وجوههم مزيدا من الكلام عن القضايا الكبرى.
القضايا الكبرى لا تُطعم طفلا جائعا.
والخطابات الرنانة لا تدفئ بيتا باردا.
والشعارات لا تُصلح مستشفى ولا تشغّل كهرباء ولا تملأ خزان مازوت.
الشعب لا يحتاج من يشرح له كيف يكون وطنيا؛
الشعب يحتاج من يحترم إنسانيته.
فلا تطلبوا من الناس أن تنشغلوا لهم بالمعارك الوهمية، بينما معركتهم الحقيقية هي مع الفقر والبرد والعجز والإذلال اليومي.
ومن يصرّ على جرّ الناس إلى بازار اللغة والشعارات، متجاهلا رغيفهم ودواءهم وكهرباءهم ووقودهم، فليعرف شيئا واحدا: الناس ليست غبية، والناس ترى، والناس تعرف من يعمل لأجلها، ومن يتاجر بوجعها.
لقد سئم الشعب من الخطب التي لا تغيّر شيئا في حياته.
أعطوه خبزا قبل أن تعطوه خطابا.
أعطوه مازوتا قبل أن تعطوه شعارا.
أعطوه كهرباء قبل أن تحدثوه عن المستقبل.
أما البازارات السياسية، فافتحوها كما تشاؤون لكن لا تطلبوا من الشعب أن يدفع ثمنها من جوعه وبرده وكرامته.