عاكف حسن Akif Hasan
أكتب هذا المقال لسبب بسيط: لأنني، بمناسبة وبدون مناسبة، أسمع الأسطوانة نفسها تتكرر من جانب منظومة حزب العمال الكردستاني وكوادرها وناشطيها: الدولة القومية وباء، الحدود مشكلة، القومية فكرة تجاوزها الزمن، والحل هو الديمقراطية.
والله، لقد صرنا نخجل من أنفسنا ونحن نسمع الأسطوانة ذاتها تدور منذ سنوات. فالديمقراطية أصبحت كلمة تصلح لكل شيء: مجتمع ديمقراطي، إدارة ديمقراطية، كونفدرالية ديمقراطية، حياة ديمقراطية… ولم يبقَ إلا أن نسمع عن «إفطار ديمقراطي»!
لكن خلف هذه السخرية الخفيفة مسألة جدية جداً.
فأنا كنت أيضاً كادراً في هذه المنظومة، وعشت مرحلة كان فيها تحرير كردستان والتحرر الوطني والاستقلال مشروعاً سياسياً واضحاً. لم تكن الدولة آنذاك وباءً ينبغي التخلص من فكرته، بل كانت، في الخطاب والمشروع، إحدى الغايات السياسية التي ناضلت الحركة من أجلها.
بل إن الحركة لم تكن متسامحة كثيراً مع من يختلف معها. كان من يعارض المشروع أو يشكك فيه معرضاً للاتهام والتخوين، وأحياناً يُعامل وكأنه يقف في الجهة المقابلة.
كان السؤال يومها: كيف نحرر كردستان؟
ثم جاءت إمرالي.
ومنذ ذلك الوقت بدأ تحول عميق في اللغة والمشروع. تراجعت مفردات مثل الوطن والتحرر الوطني والاستقلال والدولة، وتقدمت مفردات أخرى: الديمقراطية، المجتمع الديمقراطي، الإدارة الديمقراطية، والكونفدرالية الديمقراطية.
من حق الإنسان أن يراجع أفكاره، ومن حق الحركات السياسية أن تغير استراتيجياتها. لكن عندما يكون التحول بهذا الحجم، يصبح من حق الناس أن يسألوا: كيف حدث؟ ولماذا؟ وفي أي ظروف؟
أوجلان لم يكن في إمرالي مفكراً حراً يجلس في مكتبة ويعيد قراءة مشروعه بعيداً عن الضغوط. كان أسيراً لدى الدولة التركية، في ظروف استثنائية، وفي علاقة طويلة ومعقدة معها.
وهنا أصل إلى استنتاج شخصي لا أستطيع تجاهله، وإن كنت لا أملك وثيقة أضعها أمام القارئ وأقول: هذا هو الدليل.
أعتقد أن من المشروع أن نسأل ما إذا كان الأمر قد تجاوز مجرد عزل أوجلان عن الحركة، إلى محاولة إعادة توجيه المشروع نفسه. هل كان المطلوب، في سياق إمرالي، أن تُسحب كلمة «الوطن» تدريجياً من قاموس الحركة، وأن يعاد تعريف القضية الكردية بلغة أخرى؟
وهل كان استبدال مفردات الوطن والتحرر الوطني والدولة والاستقلال بمفردة الديمقراطية مجرد تطور فكري مستقل، أم أن هذا التحول كان ينسجم أيضاً مع رؤية ومصلحة الدولة التركية؟
لا أطرح ذلك كحقيقة موثقة، بل كسؤال سياسي جدي تفرضه طبيعة التحول نفسه.
فالفرق بين الخطابين ليس لغوياً فقط.
كان السؤال القديم: لماذا لا يملك الكرد حقوقهم القومية والوطنية والسياسية؟
أما السؤال الجديد فأصبح: كيف نبني مجتمعاً ديمقراطياً داخل الدول القائمة؟
وهنا تغيرت زاوية النظر إلى القضية كلها.
فبدلاً من أن تكون المشكلة الأساسية هي حرمان شعب من حقوقه القومية والوطنية والسياسية، أصبحت المشكلة تُقدَّم أساساً بوصفها نقصاً في الديمقراطية داخل الدول التي يعيش فيها الكرد.
ولا تحتاج، في هذه الحالة، إلى أن تقول للكردي صراحة: «تخلَّ عن وطنك».
يكفي أن تغيّر قاموسه.
تختفي كلمة «الوطن» تدريجياً، وتحل محلها «الديمقراطية». ومع تكرار المفردة جيلاً بعد جيل، يصبح الحديث عن دولة كردية وكأنه بقايا عقلية قديمة، أو مرض قومي ينبغي التخلص منه.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف.
فالحركة التي كانت تنتقد القوى الكردية في مراحل سابقة لأنها، من وجهة نظرها، لم تذهب بعيداً بما يكفي في المشروع الوطني، ما زالت تنتقد إقليم كردستان العراق، رغم أنه نجح في بناء كيان سياسي كردي قائم على الأرض.
وكأن المشكلة لم تعد فقط في مقدار ما أنجزه الكرد، بل في فكرة الإنجاز نفسها.
أما الدولة القومية، فإذا كانت وباءً فعلاً، فلماذا لا يكون هذا الرفض عاماً؟ لماذا تصبح فكرة الدولة مشكلة خاصة عندما يتعلق الأمر بالكرد؟
ومن حق من يرفض الدولة أن يرفضها.
لكن من حق من يريد دولة كردية ديمقراطية أن يقول ذلك أيضاً.
والمفارقة الأخرى أن المشروع تغيّر، لكن ثقافة «من معنا ومن ضدنا» لم تتغير كثيراً. بالأمس كان الاختلاف مع المشروع القديم قد يقود إلى التخوين، واليوم قد يؤدي الاختلاف مع المشروع الجديد إلى النتيجة نفسها، وإن تغيّرت المفردات.
فإذا كانت الديمقراطية هي القيمة الجديدة فعلاً، فإن أول اختبار لها هو قبول الاختلاف.
هناك أيضاً مسألة لا أستطيع تجاوزها بسهولة: ماذا عن الذين ماتوا؟
هناك رفاق عرفتهم وعشت معهم، وماتوا وهم يؤمنون بمشروع التحرر الوطني. قد نرى اليوم أن مشروعهم كان خاطئاً أو غير واقعي، لكن لا يجوز أن نعيد كتابة ذاكرتهم بعد موتهم بما يتناسب مع المشروع الجديد.
كان لهم إيمانهم، وكان لهم مشروعهم، وكانت لهم تضحياتهم.
وأنا لا أتحدث هنا كمراقب خارجي؛ كنت جزءاً من تلك التجربة.
لذلك لا أرى أن المسألة مجرد مراجعة فكرية. إنها أيضاً مسألة ذاكرة ومسؤولية تجاه جيل كامل.
المراجعة الفكرية حق، لكن المراجعة التاريخية مسؤولية.
يمكن أن تتغير الأفكار، وأن تتغير الاستراتيجيات، وحتى أن تتغير الكلمات.
لكن لا ينبغي أن يتغير الماضي بمجرد تغيير القاموس.
ولهذا يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً:
ماذا فعل إمرالي بمشروع كامل، وبوعي أجيال كاملة، وبذاكرة الذين ذهبوا إلى الموت وهم يؤمنون بشيء مختلف؟
وإذا كانت الديمقراطية هي الجواب الجديد، فليكن أول اختبار لها بسيطاً جداً:
أن نترك للكردي حق اختيار مستقبله بنفسه.
حتى لو اختار الكونفدرالية.
وحتى لو اختار الدولة.
وحتى لو أعاد، بعد كل هذه السنوات، فتح القاموس القديم والبحث عن كلمة اختفت منه بهدوء:
الوطن