عبدالقادر حسن
تواصل مدينة إيسن الألمانية احتضان منافسات كأس العالم SOCCA 2026 لكرة القدم السداسية، البطولة الدولية التي تجمع منتخبات كرة القدم المصغرة تحت مظلة الاتحاد الدولي للسوكا International Socca Federation (ISF). وتقام نسخة هذا العام في ألمانيا خلال الفترة من 28 أغسطس حتى 6 سبتمبر، بمشاركة منتخبات من مختلف القارات في واحدة من أبرز بطولات كرة القدم السداسية على مستوى العالم.
الظهور الثاني
وتسجل سوريا في إيسن ظهورها الثاني في كأس العالم للسوكا بعد مشاركتها الأولى عام 2023، وقد وقعت هذه المرة في المجموعة الثالثة إلى جانب كولومبيا وأيرلندا واليونان. ويأتي المنتخب ضمن مشروع أشرف عليه مكتب الرياضة والشباب في مبادرة قنوات إعادة إعمار سوريا WKS، بداية من البحث عن اللاعبين وإجراء الاختبارات، وصولًا إلى تشكيل القائمة التي مثلت سوريا في البطولة.
عبد الرحمن ساكت.. مشروع مدرب شاب بخلفية أكاديمية
يقود المنتخب السوري المدرب الشاب عبد الرحمن ساكت، الذي تولى المهمة خلال التحضيرات لمونديال 2026، بالتزامن مع إطلاق عملية واسعة للبحث عن اللاعبين السوريين القادرين على تمثيل المنتخب.
وأوضح ساكت في حديثه لنا أنه درس تدريب كرة القدم أكاديميًا في الجامعة لأكثر من أربع سنوات، وخاض تجارب تدريبية سابقة في أكاديمية باريس سان جيرمان وعدد من الأندية الألمانية، إلى جانب اهتمامه بمجالات التدريب وتحليل اللعب والتكتيك وتطوير المواهب.
ورغم أن كرة القدم السداسية ليست اختصاصه التدريبي الأساسي، وافق ساكت على قيادة المشروع عندما طُرحت عليه فكرة تشكيل منتخب سوري للمشاركة في كأس العالم، لتبدأ بعدها مرحلة طويلة من الاختبارات والاختيارات.
وتعكس الأرقام حجم العمل الذي سبق المشاركة. فقد تحدث الإعلان الخاص بالمنتخب عن أكثر من 1070 لاعبًا تقدموا للاختبارات، بينما قدّر ساكت العدد بنحو 1100 متقدم، مشيرا إلى أن الجهاز الفني تمكن، في حدود الإمكانات المتاحة، من اختبار قرابة 250 لاعبًا قبل الوصول إلى المجموعة النهائية.
جهاز فني وإداري و15 لاعبا
استقر الجهاز الفني في النهاية على قائمة تضم 15 لاعبًا، بينهم حارسا مرمى و13 لاعبًا، إضافة إلى الطاقم الفني والإداري.
ويقود الكابتن عبد الرحمن ساكت المنتخب مديرًا فنيًا، ويعمل إلى جانبه صهيب الحسين مدربًا لحراس المرمى، فيما يتولى محمد إسليم وزكريا الجندي المهام الإدارية، ويضم الطاقم كذلك أحمد أبو أرشيد بصفة معالج طبي.
وفي حراسة المرمى ضمت القائمة أحمد كالوت وباسل حمسة، فيما شملت قائمة اللاعبين: روك علي، بيار سليمان، نبيل غنام، آياز عثمان «كابتن الفريق»، سروار أوسي، مهند حموي، سليم الصالح، مهند النكار، حميد الوين، سيامند ألو، محمد حجي، أحمد جوخدار ومحمد دست.
وجاء اختيار هذه المجموعة بعد أشهر من التقييم والتصفية، في تجربة هدفت إلى جمع لاعبين سوريين من ألمانيا ودول أوروبية أخرى ضمن منتخب واحد. كما دخل المنتخب البطولة بدعم من شركة الباشا فود، الراعي الرسمي للفريق، التي ساهمت في تأمين مستلزمات المنتخب استعدادًا للمشاركة.
ثمانية أهداف في مباراتين.. وبداية فرضت الاحترام
لم يحتج المنتخب السوري إلى وقت طويل لترك بصمته في المجموعة الثالثة.
ففي ظهوره الأول يوم 29 أغسطس، حقق فوزًا كبيرًا على كولومبيا بخمسة أهداف دون رد. وسجل لسوريا سروار أوسي، آياز عثمان، محمد حجي وأحمد جوخدار، فيما جاء الهدف الرابع بعدما غير مدافع كولومبيا اتجاه تسديدة سروار أوسي لتسكن مرماه بالخطأ.
وفي المباراة الثانية يوم 31 أغسطس، واصل المنتخب انطلاقته بالفوز على أيرلندا 3-1. وأحرز بيار سليمان وآياز عثمان ، فيما جاء الثالث بعد تسديدة من مهند حموي حولها أحد مدافعي المنتخب الأيرلندي إلى مرماه.
في الجولة الثالثة يوم 2 سبتمبر تلقى المنتخب السوري خسارته الأولى في البطولة أمام اليونان بنتيجة 5-1، وسجل هدف سوريا محمد ثروت. ورغم الخسارة، نجح المنتخب السوري في التأهل إلى الدور الثاني، مستفيدًا من النتائج التي حققها في أول جولتين، ليواصل مشواره في البطولة بعد مرحلة مجموعات شهدت انتصارين وهزيمة واحدة.
الخسارة أمام اليونان لا تلغي الصورة التي قدمها الفريق خلال مبارياته الأولى. فبالنسبة إلى منتخب حديث التكوين، جرى بناؤه خلال فترة زمنية قصيرة ، فإن الوصول إلى الدور التالي بعد انتصارين واضحين يمثل نتيجة لافتة في حد ذاتها.
يذكر ان المنتخب السوري سيلاقي المنتخب الجورجي يوم 3 ديسمبر في الدور الثاني
ساكت: المعيار فني.. وسوريا للجميع
وبعيدًا عن النتائج، شدد ساكت على جانب اعتبره أساسيًا في بناء المنتخب، وهو الطريقة التي جرى التعامل بها مع اللاعبين منذ الاختبارات الأولى.
وأكد المدرب أن عملية الاختيار اعتمدت على المعايير الفنية فقط، بعيدًا عن أي اعتبارات قومية أو دينية أو طائفية، مشيرًا إلى أن الجهاز الفني سعى إلى إزالة جميع أشكال التمييز بين اللاعبين.
وقال إن المنتخب لم ينظر إلى اللاعب على أنه كردي أو عربي، مسلم أو مسيحي، وإنما على أساس ما يستطيع تقديمه داخل الملعب، مضيفًا أن العمل جرى «باحترافية مئة بالمئة» وفق تقييم فني موحد للجميع.
ويربط ساكت ما تحقق بالعمل الصادق والإخلاص، معيدًا الفضل أولًا إلى التوفيق من الله، ومعتبرًا أن صفاء النية والجدية في العمل شكلا الأساس الذي بنيت عليه التجربة منذ بدايتها.
تجربة تستحق التقدير مهما كانت المحطة الأخيرة
من أكثر من ألف لاعب طرقوا باب الاختبارات إلى 15 لاعبًا حملوا قميص سوريا في كأس العالم، ومن فريق حديث التكوين إلى منتخب تجاوز مجموعته وبلغ الدور الثاني، قطعت التجربة السورية مسافة كبيرة خلال فترة قصيرة.
وقد تحمل الأدوار التالية نتائج مختلفة، وقد يمتد المشوار أو يتوقف عند محطة قريبة، لكن ذلك لا يغير حقيقة أن هذا المنتخب نجح بالفعل في تقديم بداية تستحق التوقف عندها. انتصاران، ثمانية أهداف في أول مباراتين، وتأهل إلى الدور الثاني؛ حصيلة تمنح الفريق والجهاز الفني أساسًا يمكن البناء عليه مستقبلًا.
ومهما تكن نتيجة المنتخب في بقية مشواره، فإن ما قدمه حتى الآن يستحق التقدير، خصوصًا أن التجربة انطلقت بإمكانات محدودة ومن مشروع حديث العهد. ويستحق اللاعبون وطاقم المنتخب، وفي مقدمتهم المدرب الشاب والطموح عبد الرحمن ساكت، الشكر على الجهد المبذول وعلى الحضور الذي صنعوه لسوريا في البطولة.
فالنجاح هنا لا يتوقف فقط عند نتيجة مباراة أو الدور الذي سيصل إليه الفريق، بل يمتد إلى بناء مجموعة استطاعت خلال أشهر قليلة أن تنتقل من الاختبارات المفتوحة إلى تمثيل سوريا والتأهل في بطولة عالمية.
فريق واحد.. هدف واحد.. وطن واحد.