علي جزيري
يُضفي الموقعان الفلكي والجغرافي أهمية جيوبولوتيكية على بلاد الكرد؛ وتضفي مساحتها التي تناهز مساحة فرنسا القارية، وتركيبها الجيولوجي، ووقوعها في قلب الشرق الأوسط أهمية استراتيجية بالغة، ولاسيما أنها تطفو على بحر من النفط والغاز، وكانت تمرُّ فيها قديماً طرق (الحرير البرية القادمة من الصين، والتوابل من الهند، والبخور من شبه الجزيرة العربية متجهة نحو البحر المتوسط وأوروبا)، إضافة إلى مناخها المتوسطي وتضاريسها المتنوّعة (جبال وسهول بينية وفيضية)، وغناها بالثروات الباطنية والمياه الجوفية والجارية (الأنهار)، وتربتها الخصبة ومحاصيلها الزراعية المتنوعة وثروتها الحيوانية، وطبيعتها السياحية الخلابة؛ لكن – رغم ما ذكرناه – مازال الكرد يعيشون في ضنك من العيش..!
المميزات السالفة الذكر، جعلت كوردستان محطّ أنظار الغزاة عبر العصور، فتعرّضت للغزو العربي، ثم قسمت بين الامبراطوريتين الصفوية والعثمانية؛ وحين أزكم النفط في العصر الحديث مناخير بريطانيا، وأثارت الثروات شهوة فرنسا، أقدمتا على تقاسم الجزء الكردي من تركة السلطنة العثمانية بعد أن دبَّ فيها الوهنُ، فألحقت ولاية الموصل ذات الأغلبية الكردية بالعراق الناشئ في ظل الانتداب الانكليزي، أما الجزء الكوردستاني الملحق بسوريا الناشئة فكان من نصيب الانتداب الفرنسي.
وحين ورث بشار السلطة، كان إنتاج النفط يزيد عن 30 مليون طن/ السنة، ومعظمه يُستخرج من منطقة الجزيرة (التي وصفها صبحي عبد الرحمن بالسلة الغذائية أو”كاليفورنيا الشرق”)؛ رغم ذلك عانت المناطق الكردية من انعدام الصناعات التحويلية، وقلة الخدمات، وتلوث البيئة، وندرة فرص العمل في حقول النفط والغاز. ولما سأل أحدهم – ذات يوم – في البرلمان عن إيرادات النفط، قيل له: “إنها في أيدٍ أمينة”…! فالبوح بالحقيقة في عرف النظام يُدرج ضمن أسرار أمن الدولة، وظلت الحقائق غائبة في ظل هيمنة أجهزة القمع التي كانت تعدُّ على الناس أنفاسَها، ومازاد الطين بلة الاعلام المؤمم، والنقابات التي هيمن عليها البعث، ومنظمات المجتمع المدني الشكلية، إلى جانب تغييب دور القوى السياسية التي تهافتت معظمها على فتات موائد السلطان.
يستخلص المتأمل عما سبق، كيف أضحت ثروات البلاد نقمة على الشعب السوري عامة والشعب الكردي في الجزء الملحق بسوريا خاصة، بدلاً من أن تكون نعمة.
ولما تسنّمت الإدارة الذاتية زمام الأمور، لم تولِ هذا الجزء أي إهتمام يُذكر في مجال الخدمات، بل انصبَّ جل اهتمامها على إقامة شبكة الأنفاق التي تمتد مئات الكيلومترات، والتي لم تُجدِ نفعاً حين وقعت الواقعة، وكان الأجدر بها توظيف موارد النفط والغاز وغيرها في مجال توفير الخدمات، بدلاً من دفن ملايين أطنان الحديد والاسمنت تحت الأرض، في وقت كان قاطنو هذا الجزء يعانون من ضنك العيش، ولولا الحوالات التي كان يُرسلها ذووهم من المَهَاجِر لكان الوضع كارثياً بكل تأكيد.
ومنذ تسنُّم الشرع سدّة الحكم، لم يطرأ أيّ تحسُّن ملحوظ على دخل الفرد، بل اكتنف الوضع المزيد من الغموض، وازدادت الأمور سوءاً حتى غدا هذا الجزء منكوباً بحق، بسبب التجييش الطائفي وبث ثقافة الكراهية والتنكيل بالأبرياء إنتقاماً من المقاتلين البواسل ممن تصدوا لقوى الظلام.
خلاصة القول: لا يمكن لوسائل البطش أن تثني شعبنا وتثبط من عزمه في النضال من أجل نيل حقوقه القومية كاملة.
============