حين يصبح التشكيك بتاريخ المثقف أسهل من قراءة تاريخه

د. عدنان بوزان

من المؤسف أن يظهر بيننا اليوم بعض الكتبة حديثي العهد ممن يتعاملون مع تاريخ الكتابة والإبداع الكوردي وكأنه بدأ معهم، فيسارعون إلى التشكيك في إنتاج كتاب ومفكرين وأكاديميين كورد، وكأن ما سبقهم لم يكن موجوداً، أو كأن الكتابة لم تكن لها أثمانها في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا تلك المساحات المفتوحة التي تتيح لأي شخص أن يكتب وينشر خلال دقائق.

النقد حق مشروع، بل هو ضرورة لأي حياة ثقافية سليمة، لكن التشكيك في تاريخ الآخرين من دون معرفة ظروف ذلك التاريخ ليس نقداً، وإنما جهل بالسياق ومحاولة لمحو الذاكرة.

لقد كان هناك عشرات الكتاب والمفكرين والأكاديميين الكورد الذين كتبوا في عهد النظامين لآل الأسد، الأب والابن ، في ظروف كان فيها مجرد امتلاك موقف سياسي أو ثقافي مختلف كافياً لوضع صاحبه تحت المراقبة والاعتقال والتحقيق والتعذيب والاتهام. ومع ذلك، استمروا في الكتابة، لأنهم كانوا يؤمنون بأن الكلمة يمكن أن تكون فعلاً من أفعال المقاومة.

وأقول هذا من باب التذكير بالتجربة، لا من باب المديح للنفس: بدأت الكتابة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وصدرت أولى محاولاتي الشعرية، ثم واصلت في التسعينيات كتابة المقالات والتحليلات السياسية والأبحاث، في ذلك الوقت، كانت هناك مجلة فلسطينية تسمى «الحرية»، كنت أنشر فيها، وكذلك جريدة «نضال الشعب»، التي تحولت لاحقاً إلى «صوت الشعب»، لسان حال الحزب الشيوعي السوري. ومجلة المواسم، وأيضاً في معظم الجرائد الحزبية للأحزاب الكوردية، واضطررت في بعض المراحل إلى استخدام أسماء مستعارة. ومع ذلك، لم تكن الكتابة بلا ثمن؛ فقد تعرضت للاعتقال أكثر من مرة، وللتعذيب والتهديد والضغط، ومع ذلك لم أتراجع عن مشروعي الأدبي والسياسي، بل واصلت العمل السياسي وأسهمت في تأسيس حزب سياسي كوردي، ومضيت في طريقي بكل إصرار وقوة.

في ذلك الزمن، لم يكن هناك ذكاء اصطناعي يساعد الكاتب، ولا فيسبوك أو إكس أو يوتيوب لإيصال النص إلى آلاف القراء، ولم تكن هناك هذه السهولة الهائلة في النشر والوصول إلى الجمهور. كانت الكلمة تكتب في ظروف صعبة، وتنسخ وتتداول بوسائل محدودة، وكان الوصول إلى القارئ الكوردي نفسه معركة أخرى.

وكانت هناك، في تلك المرحلة وما سبقها، مواقع ومنابر كوردية عديدة، منها «كميا كوردا» و«ولاتي مه» وغيرها، وقد شكلت شاهداً على جانب مهم من الكتابات والمقالات والإنتاج الفكري الكوردي في تلك المرحلة. وللعلم، فإنني بدأت كتابة معظم مؤلفاتي في تلك المرحلة، ونشر جانب كبير منها آنذاك، ثم أُعيد نشرها في الآونة الأخيرة.

والأهم أن كثيراً ممن يتصدرون المشهد الثقافي والسياسي اليوم لم يكونوا يومها مستعدين لدفع ثمن الكلمة. كان بعضهم يخشى حتى من ظله، بينما كانت هناك فئة محدودة من المثقفين والسياسيين والكتاب تصر على الكتابة، رغم الخوف والملاحقة والاعتقال، لأننا كنا نؤمن بأن الأفكار يجب أن تصل إلى النخبة الكوردية، وأن الثقافة ليست ترفاً يمكن التخلي عنه عندما تصبح الظروف صعبة.

ولذلك، من السهل جداً أن يأتي الإنسان اليوم، بعد أن اتسعت مساحة التعبير، ويجلس خلف شاشة، ثم يبدأ بتوزيع شهادات الوطنية والثقافة والإبداع على من سبقه، أو التشكيك في نتاجهم، وكأن التاريخ بدأ يوم فتح هو حسابه على وسائل التواصل الاجتماعي.

المشكلة أن بعض هؤلاء بدأوا بتوجيه سهامهم إلى القوى السياسية الكوردية، ثم إلى قسد والسياسيين الكورد، وهذا حقهم في النقد متى كان قائماً على المعرفة والمسؤولية؛ لكن عندما لم يبقَ أمامهم أحد، انتقلوا إلى المثقفين والمفكرين والأكاديميين والكتاب الكورد، وكأن المطلوب ليس إصلاح الخلل في الساحة الكوردية، بل إسقاط كل رموزها وذاكرتها وتجاربها.

نحن بحاجة إلى نقد حقيقي، لا إلى ثقافة التشكيك.

نحتاج إلى من يقرأ الكتب قبل أن يحاكم أصحابها، ويعود إلى أرشيف الصحافة قبل أن ينكر التاريخ، ويدرس الظروف التي كتبت فيها النصوص قبل أن يصدر أحكامه عليها.

فالاختلاف مع كاتب أو مفكر لا يمنح أحداً الحق في إلغاء تاريخه، والاختلاف السياسي لا يعني بالضرورة فساد الإنتاج الفكري، كما أن ظهور كاتب جديد لا يمنحه الحق في التعامل مع من سبقه وكأنهم لم يكونوا موجودين.

الساحة الكوردية بحاجة إلى النقد، نعم، لكنها بحاجة قبل ذلك إلى احترام الذاكرة.

فمن لا يعرف من دفع ثمن الكلمة في زمن الخوف، لن يفهم قيمة الكلمة في زمن الحرية.

والأخطر من ذلك أن تحويل المثقف الكوردي إلى عدو، والطعن المنهجي في الكتاب والمفكرين والأكاديميين، من دون قراءة جادة لتاريخهم وإنتاجهم، لا يخدم الثقافة الكوردية ولا مشروعها الفكري؛ بل قد يتحول، بقصد أو من دون قصد، إلى خدمة لأجندات تريد للكورد أن يبدأوا من الصفر في كل مرة، وأن يهدموا ذاكرتهم بأيديهم.

لا أحد فوق النقد، ولكن لا أحد يملك أيضاً حق تزوير الذاكرة.

والتاريخ لا يكتب بمنشور عابر، ولا يمحى بتشكيك عابر؛ التاريخ يكتب بالوثيقة، والكتاب، والموقف، وبسنوات من العمل والصمود.

 

شارك المقال :

5 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

علي جزيري يُضفي الموقعان الفلكي والجغرافي أهمية جيوبولوتيكية على بلاد الكرد؛ وتضفي مساحتها التي تناهز مساحة فرنسا القارية، وتركيبها الجيولوجي، ووقوعها في قلب الشرق الأوسط أهمية استراتيجية بالغة، ولاسيما أنها تطفو على بحر من النفط والغاز، وكانت تمرُّ فيها قديماً طرق (الحرير البرية القادمة من الصين، والتوابل من الهند، والبخور من شبه الجزيرة العربية متجهة نحو البحر المتوسط وأوروبا)، إضافة…

عمر كوجري / رئيس تحرير صحيفة كوردستان تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 من قبل مجموعة من المثقفين الكورد والأتراك، وكان هدفه الأساسي والرئيسي وقتذاك (تحرير وتوحيد كوردستان) ولأنه جاء، وتأسس بهدف دسم وقوي، فقد استطاع أن يكوّن أرضية قوية وصلبة من المؤيدين، وخاصة فئة الشباب آنذاك استفاد الحزب بطبيعة الحال من الوضع السياسي غير المستقر والمتأزم للحركة السياسية الكوردية…

كۆهدرز تمر إن مصائر الشعوب، ودماء أبنائها، وقضاياها الوطنية ليست مجرد حقول تجارب للأفراد أو الأحزاب أو التنظيمات؛ بل هي أمانة تاريخية كبرى تثقل كواهلهم. لذا، واستناداً إلى الأعراف السياسية والأخلاقية، نرى لزاماً على القيادات التي تفشل في تحقيق طموحات شعوبها وأنصارها أن تتحلى بجرأة الاستقالة والاعتذار أمام الشعب والتاريخ. إن جرَّ شعبٍ بأكمله لعقود من الزمن تحت بريق…

عمر صالح عمر شهدت سوريا منذ عام 2011 تحولات سياسية وأمنية واجتماعية عميقة انعكست بصورة مباشرة على مختلف مكونات المجتمع السوري، ومن بينها الكورد في سوريا. وفي ظل تعقيدات المشهد السوري وتعدد القوى السياسية والعسكرية وتضارب المصالح الإقليمية والدولية، واجهت القوى السياسية الكوردية تحديات كبيرة تتعلق بكيفية إدارة المرحلة، والحفاظ على الحقوق القومية والسياسية للشعب الكوردي، وتجنب الانخراط في صراعات…