المجلس الوطني الكوردي في سوريا: مقاربة في الاتزان السياسي والحفاظ على القضية الكوردية

عمر صالح عمر

شهدت سوريا منذ عام 2011 تحولات سياسية وأمنية واجتماعية عميقة انعكست بصورة مباشرة على مختلف مكونات المجتمع السوري، ومن بينها الكورد في سوريا. وفي ظل تعقيدات المشهد السوري وتعدد القوى السياسية والعسكرية وتضارب المصالح الإقليمية والدولية، واجهت القوى السياسية الكوردية تحديات كبيرة تتعلق بكيفية إدارة المرحلة، والحفاظ على الحقوق القومية والسياسية للشعب الكوردي، وتجنب الانخراط في صراعات قد تؤدي إلى مزيد من إراقة الدماء والانقسام المجتمعي.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة تجربة المجلس الوطني الكوردي في سوريا من زاوية سياسية تتعلق بطبيعة مواقفه خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، ولا سيما لجهة تجنب الانجرار إلى العنف الداخلي وسفك الدماء، واعتماد خطاب سياسي يقوم بدرجة أكبر على الواقعية السياسية مع التأكيد على عدم التخلي عن المطالب والحقوق الكوردية.

أولاً : الاتزان السياسي وتجنب الانجرار إلى العنف

من أبرز السمات التي يمكن مناقشتها في تجربة المجلس الوطني الكوردي موقفه من مسألة العنف والصراع الداخلي. فقد اتسمت الساحة السورية خلال السنوات الماضية بدرجات مرتفعة من الاستقطاب السياسي والعسكري، الأمر الذي جعل القوى السياسية أمام خيارات صعبة بين الانخراط المباشر في الصراع أو محاولة الحفاظ على مسافة سياسية تسمح لها بالعمل من أجل تحقيق أهدافها دون الانزلاق إلى مواجهات دموية.

ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار تجنب المجلس الانجرار إلى سفك دماء السوريين، والكورد على وجه الخصوص، خياراً سياسياً ذا دلالة، خصوصاً في ظل محاولات متعددة لدفع الأطراف الكوردية إلى صراعات داخلية أو مواجهات يمكن أن تزيد من حالة الانقسام داخل المجتمع الكوردي.

ولا يعني هذا الموقف من منظور التحليل السياسي التخلي عن الحقوق أو القضايا السياسية، بل يمكن تفسيره باعتباره محاولة للفصل بين النضال السياسي من أجل الحقوق وبين الانخراط في صراع مسلح بين أبناء المجتمع الواحد.

ثانياً : الواقعية السياسية في التعامل مع الأزمة السورية

تُعد الواقعية السياسية من المفاهيم الأساسية في تحليل سلوك الفاعلين السياسيين، إذ تقوم على قراءة موازين القوى والظروف الموضوعية بدلاً من الاعتماد على الخطابات والشعارات وحدها.

وفي الحالة السورية، فرضت طبيعة الصراع وتعقيداته الإقليمية والدولية على القوى السياسية الكوردية التعامل مع واقع بالغ الصعوبة. ومن هنا يمكن قراءة اعتماد المجلس الوطني الكوردي على خطاب سياسي أكثر واقعية، وابتعاده عن الشعارات التي قد تبدو جذابة سياسياً لكنها لا تستند بالضرورة إلى إمكانات واقعية لتحقيقها.

وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من كون العمل السياسي لا يقاس فقط بمدى جاذبية الشعارات، وإنما كذلك بقدرة القوى السياسية على تقدير النتائج المحتملة لمواقفها، وعلى حماية مصالح المجتمع الذي تمثله في الظروف السياسية والأمنية المعقدة.

ثالثاً : الواقعية دون التنازل عن القضية الكوردية

لا تعني الواقعية السياسية بالضرورة التنازل عن المبادئ أو الحقوق الأساسية. ويمكن النظر إلى تجربة المجلس الوطني الكوردي من هذا المنظور باعتبارها محاولة للجمع بين الواقعية في إدارة المواقف السياسية وبين الحفاظ على المطالب المتعلقة بالحقوق القومية والسياسية للكورد في سوريا.

فالموقف السياسي المتزن لا يفترض التخلي عن القضية الكوردية من أجل تجنب الصدام، كما لا يفترض بالضرورة اللجوء إلى التصعيد من أجل إثبات التمسك بها. وإنما يقوم على إيجاد توازن بين حماية مصالح الشعب الكوردي وتجنب الخيارات التي قد تؤدي إلى نتائج كارثية على المجتمع.

وبذلك تصبح المحافظة على القضية الكوردية مرتبطة بقدرة القوى السياسية على الاستمرار في طرحها والدفاع عنها ضمن الأطر السياسية الممكنة، بدلاً من تحويلها إلى عامل إضافي للصراع والعنف.

رابعاً : الثبات على الموقف السياسي

إلى جانب الواقعية يمكن مناقشة عنصر آخر في تجربة المجلس، وهو مسألة الثبات على الموقف تجاه القضية الكوردية في سوريا. ففي البيئات السياسية المضطربة، غالباً ما تتعرض القوى السياسية لضغوط داخلية وخارجية تدفعها إلى تعديل مواقفها أو الدخول في تحالفات تتعارض أحياناً مع أهدافها المعلنة.

ومن هذه الزاوية، فإن الحفاظ على جوهر الموقف تجاه الحقوق والقضية الكوردية، مع تعديل أدوات الخطاب السياسي وفقاً للظروف، يمثل شكلاً من أشكال المرونة السياسية التي لا تتعارض بالضرورة مع الثبات على المبادئ.

وهنا يمكن التمييز بين ثبات الهدف ومرونة الوسيلة إذ يمكن للقوة السياسية أن تتمسك بحقوق شعبها ومطالبه الأساسية، وفي الوقت نفسه تستخدم وسائل سياسية ودبلوماسية مختلفة لتحقيق هذه الأهداف وفقاً لتغير الظروف.

خامساً : بين الخطاب السياسي والمسؤولية الوطنية

تتطلب الأزمات الممتدة قدراً كبيراً من المسؤولية السياسية، خصوصاً عندما تكون المجتمعات منقسمة على أسس سياسية وقومية ومناطقية. ومن هذا المنطلق، فإن تجنب الخطابات التحريضية والشعارات غير المسؤولة يمكن أن يسهم في الحد من التوترات، ويحافظ على إمكانية الحوار بين مختلف الأطراف.

وفي الحالة السورية، تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بسبب حجم الخسائر البشرية التي شهدتها البلاد خلال سنوات الصراع. ولذلك فإن أي موقف سياسي يضع حماية حياة المدنيين والحفاظ على السلم المجتمعي ضمن أولوياته يمكن أن يدرس بوصفه جزءاً من مفهوم المسؤولية الوطنية.

يمكن القول إن تجربة المجلس الوطني الكوردي في سوريا خلال السنوات الخمس عشرة الماضية قابلة للدراسة من منظور الاتزان السياسي والواقعية في إدارة الأزمات. فقد اتخذ المجلس، وفق هذه القراءة، مساراً يقوم على تجنب الانجرار إلى صراعات دامية بين السوريين والكورد، مع محاولة الحفاظ في الوقت ذاته على القضية الكوردية وحقوق الشعب الكوردي في سوريا.

وتكمن أهمية هذا النهج في الجمع بين عنصرين قد يبدوان متعارضين في البيئات السياسية المضطربة: التمسك بالحقوق والمبادئ من جهة، والابتعاد عن التصعيد غير المسؤول من جهة أخرى.
وعليه، فإن الواقعية السياسية لا ينبغي أن تفهم باعتبارها تنازلاً عن القضية الكوردية، بل يمكن أن تكون أداة للحفاظ عليها وإدارتها بصورة أكثر استدامة، شريطة أن تبقى مرتبطة بالمصالح الفعلية للمجتمع وبالحقوق السياسية والقومية التي يناضل من أجلها.

وفي المحصلة، فإن تجنب سفك الدماء، والابتعاد عن الشعارات غير الواقعية، والحفاظ على ثبات الموقف تجاه الحقوق الكوردية، يمكن أن تشكل مجتمعة عناصر مهمة في تقييم الأداء السياسي للمجلس الوطني الكوردي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال لقد اجتازت البشرية العديد من الأنظمة الاجتماعية منذ أن بدأت بتشكيل مجتمعها، وخروجها من الكهوف نتيجة بداية تطور الوعي لديها. واستطاع الإنسان أن يبدع أدوات للإنتاج والاستفادة من الطبيعة المحيطة به. لنبدأ من مرحلة ترويض الحيوان وتربية الماشية، حيث أصبح الإنسان ينتج من الحيوانات مواد يستفيد منها في حياته، فبنى مجتمعًا قبليًا وعشائريًا. واستمر هذا النظام إلى…

محمدالشرف الحسيني الرابع عشر: كوردستان ليست خيارًا غربيًا فحسب، بل خيارًا مصيريًا لجيرانها فإذا كان قيام دولة كوردستان المستقلة، وفق ما سبق، يمكن أن يتحول إلى خيار استراتيجي للغرب، فإن قيامها بالنسبة إلى الدول التي تسيطر اليوم على أجزاء من كوردستان قد يكون، قبل كل شيء، خيارًا مصيريًا لها ولأجيالها القادمة. فالدول التي تتقاسم جغرافيا كوردستان اليوم ليست مضطرة إلى…

أكرم حسين لطالما ارتبط توصيف المحافظات الشرقية الثلاث، دير الزور والرقة والحسكة، في الخطاب الرسمي السوري بمصطلحات من قبيل «المحافظات النامية» أو «المناطق المتأخرة تنموياً»، في توصيف يبدو في ظاهره محايداً، لكنه يخفي في ثناياه مفارقة عجيبة بين ما تمتلكه هذه المناطق من ثروات وإمكانات وما عانته لعقود من تهميش وإهمال. فشرق سوريا ليس منطقة فقيرة بالموارد، بل هو من…

د. محمود عباس ولكن أين أصبحت إيران اليوم؟ لكن الإمكان شيء، والواقع الذي انتهت إليه إيران شيء آخر يكاد يكون نقيضه. فحين نضع جانبًا للحظة صورة إيران التي كان يمكن أن تكون عليها اليوم بما تملكه من ثروات وموقع وقوة بشرية، ثم ننظر إلى إيران القائمة فعلًا، تصبح المقارنة أكثر إيلامًا من أي إدانة سياسية. فأين…