كۆهدرز تمر
إن مصائر الشعوب، ودماء أبنائها، وقضاياها الوطنية ليست مجرد حقول تجارب للأفراد أو الأحزاب أو التنظيمات؛ بل هي أمانة تاريخية كبرى تثقل كواهلهم. لذا، واستناداً إلى الأعراف السياسية والأخلاقية، نرى لزاماً على القيادات التي تفشل في تحقيق طموحات شعوبها وأنصارها أن تتحلى بجرأة الاستقالة والاعتذار أمام الشعب والتاريخ.
إن جرَّ شعبٍ بأكمله لعقود من الزمن تحت بريق الشعارات الرنانة والأهداف الكبرى، وتقديم عشرات الآلاف من الشهداء كقرابين، ثم التراجع المفاجئ عن تلك المبادئ والقبول بمجرد “ديمقراطية” مشوهة في ظل أنظمة تحتل أجزاء من الوطن، هو خطيئة سياسية وتاريخية لا تغتفر.
من “تحرير وتوحيد كوردستان” إلى النضال لأجل ديمقراطية الدول المحتلة:
تأسس حزب العمال الكوردستاني في أواخر السبعينيات، وصعّد نشاطه في الثمانينيات تحت شعار “توحيد وتحرير كوردستان”. في سبيل ذلك، هاجم الحزب كافة الأطراف الكوردستانية الأخرى، متهماً إياها بالتخوين والعمالة لمجرد مطالبتها بأقل من الاستقلال الكامل. بل وذهب أبعد من ذلك بإعلان الحروب البينية (الاقتتال الكوردي–الكوردي)، ما تسبب في موجات من الحقد والكراهية والتمزق المجتمعي في أجزاء كوردستان الأربعة، وفي المهجر.
استطاع الحزب إقناع آلاف الشباب والشابات في مختلف أجزاء كوردستان بحمل السلاح والاستشهاد في سبيل الهدف الأسمى إذ (ليس هناك أعز من الاستقلال والحرية) كما قال القائد الفيتنامي هوشي مينه، وجملته هذه كانت على كل أعداد مجلة كوردستان التي كان يصدرها الحزب، وكان لكورد روج آفا كوردستان النصيب الأكبر من تلك التضحيات.
بعد اعتقال زعيمه عبد الله أوجلان، شهد الحزب تحولاً جذرياً وتراجع عن أهدافه وشعاراته، واستبدلها بدعوات “أخوة الشعوب” و”الديمقراطية” للدول المقتسمة لكوردستان، وبدأ يحارب الفكر القومي والدولة القومية – التي كانت جوهر نضاله السابق ، وبات مستعداً لجعل القضية برمتها قرباناً لحياة وزعامة أوجلان. فبعد تقديم أكثر من 50 ألف شهيد – بحسب تصريحات القيادي دوران كالكان في آب الماضي، وهو رقم يضاهي جيوش دول في حلف الناتو – وبعد تدمير أكثر من خمسة آلاف قرية وتشريد الملايين في شمال وجنوب كوردستان، نجد المفارقة الصارخة.
لا يزال الحزب يتخذ من أراضي جنوب كوردستان معقلاً له، ويستولي على قرى ومناطق رافضاً الخروج منها بذريعة أن “كوردستان وطن للجميع”، مهاجماً القوى السياسية في الإقليم وخاصة البارزانيين ، في الوقت الذي يفاوض فيه الدولة التركية على وحدتها وديمقراطيتها، دون تقديم أي مطالب قومية واضحة، لا استقلالاً ولا حتى فيدرالية أو حكماً ذاتياً.
المفاوضات: سلام أم استسلام؟
تمخّضت المفاوضات الأخيرة عن إعلان الحزب حل نفسه بأمر من أوجلان، وتشكيل لجنة برلمانية تركية يشارك فيها “حزب المساواة والديمقراطية” (الوسيط بين أوجلان وقنديل). هذه اللجنة التي أطلقت على نفسها اسم (التضامن الوطني وتعزيز التكامل المجتمعي)، أقرت أخيراً قانوناً بعنوان (تركيا خالية من الإرهاب)؛ ما يعني أن الدولة التركية تتعامل مع الأمر كعملية “استسلام” ونزع سلاح، لا “عملية سلام”.
يفرض هذا القانون عودة المقاتلين وتقديمهم للمحاكم ومتابعة ملفاتهم جنائياً من قبل الأمن التركي، مع السماح لهم بدخول الحياة السياسية بعد سنوات من المراقبة.
والمثير للاستغراب أن هذا القانون لا يذكر “الكورد” بالاسم، ولا يتطرق لحقوقهم القومية، ولا للإفراج عن المعتقلين السياسيين (بمن فيهم أوجلان)، ولا يمس المواد الأربع الأولى من الدستور التركي التي تكرّس الدولة لشعب واحد وعلم واحد وهُوية تركية حصرية.
يبرر المدافعون هذا التراجع بأن “المطالبة بالحقوق ستأتي لاحقاً”، في تناقض صارخ للمنطق السياسي؛ فالسلاح والقوة هما وسيلتا الضغط لتحصيل الحقوق، وبدونهما لن يعترف الخصم بأي حق لطرف أعزل اختار التخلي عن أوراقه الرابحة قبل بلوغ أهدافه.
إن المنطق السياسي يفرض أن السلاح والقوة هما الوسيلتان الأنجع لانتزاع الحقوق وفرضها على طاولة المفاوضات؛ وبدونهما، يجد الطرف المفاوض نفسه ضعيفاً، منزوع الأوراق، ومستسلماً أمام خصمٍ لن يعترف له بأي حقوق، ولن يترك له خياراً سوى العودة إلى النضال المدني الهش أو مواجهة شبح السجون مجدداً.
حتى قيادات الحزب في قنديل ليست رافضة للاتفاق بين بخجلي وزعيمها أوجلان إنما فقط تطالب بالإفراج عنه أو نقله خارج السجن وتواصله معهم وإقناعه مقاتلي الحزب بضرورة ترك السلاح والرضوخ للإملاءات التركية حيث أن قسماً منهم مصدوم ولا يصدق ما يجري.
لماذا فشلت عملية السلام في 2013 وتنجح (بشروط قاسية) اليوم؟
من المعلوم أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان قد وافق قبل ثلاثة عشر عاماً على وقف إطلاق النار وإطلاق عملية سلام برعاية رئيس إقليم كوردستان مسعود بارزاني. حينها، زار الزعيمان آمد / دياربكر، وألقيا خطابين تاريخيين أمام الجماهير المحتشدة بحضور قيادات “حزب الشعوب الديمقراطي” المقرب من العمال الكردستاني.
إلا أن تلك العملية انهارت بعد أشهر، إثر مقتل عناصر من الشرطة والجنود الأتراك في آمد وهكاري، واتخاذ پ ک ک موقفاً عدائياً من أردوغان عبر دعم خصمه اللدود “حزب الشعب الجمهوري” (الكمالي)، ورفضه المشاركة في الحكومة التركية، مما اضطر أردوغان حينها لإعادة الانتخابات لتمكينه من تشكيل حكومة جديدة.
لقد استمر ارتهان “حزب الشعوب الديمقراطية” – ومن خلفه پ ک ک – لسياسات حزب الشعب الجمهوري لسنوات، على أمل إعادة الكماليين إلى السلطة. ولكن، ومع تفتت المعارضة وفشل رهانات الحزب، واستمرار أردوغان في الحكم بتحالف وثيق مع حزب الحركة القومية (MHP) المتشدد، اضطر الحزب أخيراً للقبول بدعوة “دولت بخجلي” لإنهاء الكفاح المسلح مقابل عودة مشروطة للحياة السياسية.
فرص ضائعة وتناقضات أيديولوجية:
عداء پ ک ک لأردغان فاق عداءه ومحاربته لكل الرؤساء الأتراك الذين سبقوه، وكان الحقد منقطع النظير بسبب توجه الحزب الكمالي ومناصرته لحزب الشعب الجمهوري ضد عدو الكمالية ذي التَّوجُّه الإسلامي أردوغان، وكان هذا ملاحظاً منذ بداية تسلمه رئاسة الوزراء، ومن ثم الجمهورية قبل اكثر من خمسة وعشرين عاماً، و تجلى ذلك في روجافايي كوردستان بمظاهرات أنصار الحزب وتحركاتهم بشكل لا لبس فيه وفي شمالي كوردستان بالتعاون مع حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات البرلمانية والمحلية، إضافة إلى الحقد على البارزانية والعداء للديمقراطي الكوردستاني.
بمقارنة بسيطة، نجد أن الحزب أضاع في 2013 فرصة تاريخية واتفاقاً كان ليحفظ “ماء الوجه” ويضمن حقوقاً أفضل، وذلك بسبب رهانه الخاطئ على الكماليين والعداء المفرط لاردوغان والبارزاني.
المفارقة التاريخية تكمن في أن أنصار الحزب كانوا يرفعون صور كمال أتاتورك في مظاهراتهم، بل إن أوجلان نفسه أمعن في مديح أتاتورك اكثر من قتل من الكورد، خلال مرافعاته الشهيرة عامي (1999-2000).
وفي المقابل، فإن أردوغان وحزبه – رغم كل الملاحظات – يمثلون تياراً معادياً للكمالية، بل إن أردوغان كان أول رئيس تركي يكشف عن موقع إعدام الشهيد “الشيخ سعيد بيران” في دياربكر، وأطلق اسمه على إحدى الساحات تحدياً للإرث الأتاتوركي.
اليوم، وبعد فشل التجارب السابقة، نأى أردوغان بنفسه عن التفاوض المباشر مع الحزب لعدم ثقته به، تاركاً ملف “المفاوضات الأخيرة” لحليفه القومي المتطرف بخجلي. وقد قبل الحزب الانخراط في عملية أسمتها الحكومة التركية “تركيا خالية من الإرهاب”، وهي تسمية تتضمن اعترافاً ضمنياً من الحزب وجماهيره بصفة “الإرهاب” التي التصقت بهم لعقود.
أخيراً.. سلام مشرف واعتذار الشجعان هما المطلوبان
إن السلام المشرف غاية كل الأحرار، ولا يمكن لعاقل أن يعارضه، فكما قال الرئيس مسعود بارزاني: “عامان من الحوار خير من ساعة حرب واحدة”. إلا أن بناء السلام الحقيقي يتطلب شجاعة الاعتراف بالخطأ.
لكن التحول من مشروع التحرير الكامل إلى مشروع الذوبان في ديمقراطية الآخرين دون ضمانات، هو مقامرة بمستقبل شعب دفع أغلى ما يملك.
لذا، فإن الاعتذار للشعب الكردي ليس مجرّد خيار أخلاقي، بل هو استحقاق تاريخي تفرضه ضخامة التضحيات وفداحة النتائج. لقد آن الأوان لمراجعة شاملة تضع مصلحة الكرد فوق مصلحة التنظيم وفوق حياة القادة، فالتاريخ لا يرحم من يفرطون في أمانات الشعوب.
فتقديم الاعتذار للشعب الكوردي ولأهالي الشهداء الذين قُدموا قرابين لشعارات تم التخلي عنها، هو واجب أخلاقي وتاريخي لا يقل أهمية عن “الاعتذار” الذي قدمه أوجلان سابقاً لعوائل الجنود الأتراك الذين وصفهم بـ “الشهداء”. فلا يمكن طي صفحة الماضي دون إنصاف الذاكرة الكوردية التي استُنزفت في مشاريع وتجارب أثبتت الأيام عقمها.
============