اكرم حسين
منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟
لا يمكن اختزال المأساة الكردية في أخطاء الأحزاب والقيادات فقط . فقد عاش كرد سوريا عقوداً من التهميش السياسي والثقافي وسياسات إنكار الهوية والحرمان من الحقوق المدنية، ولا سيما بعد إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة وما ترتب عنه من أوضاع قانونية استثنائية طالت أعداداً كبيرة من المواطنين الكرد. كما أن طبيعة الدولة السورية منذ الاستقلال لم تسمح ببناء إطار وطني ديمقراطي يستوعب مختلف الهويات والثقافات والمكونات بصورة عادلة ، وظلت القضية الكردية السورية مرتبطة أيضاً بعوامل إقليمية تتجاوز حدود البلاد. فالجغرافيا الكردية الممتدة بين أربع دول جعلت الحركة السياسية الكردية في سوريا متأثرة بما يجري في العراق وتركيا وإيران ، ومع صعود القومية العربية والانقلابات العسكرية والوحدة السورية المصرية ثم وصول حزب البعث إلى السلطة، ضاق المجال أمام الحراك الكردي المستقل ، وتعرضت قيادة الحزب الكردي الأول للاعتقال عام 1960، ثم وقع الانقسام الداخلي عام 1965، لتصبح الانشقاقات لاحقاً إحدى أبرز سمات الحركة السياسية الكردية.
لكن هذه الظروف، على قسوتها، لا تفسّر وحدها استمرار الأزمة. فقد عانت الحركة السياسية الكردية نفسها من مشكلات بنيوية تحولت مع الوقت إلى نمط في ممارسة السياسة: الزعيم أقوى من المؤسسة، والحزب يتقدم على المجتمع، والانقسام أسهل من التوافق، والمنافسة كثيراً ما تكون على التمثيل والنفوذ بدلاً من البرامج والمشاريع ، وهكذا نجحت الحركة في الحفاظ على الشعور القومي لدى الكرد السوريين، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تطوير أدواتها السياسية بما ينسجم مع التحولات التي طرأت على سوريا والمنطقة والعالم ، ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تغيرت قواعد اللعبة. فقد أصبح ممكناً إعادة طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة والعلاقة بين المركز والأطراف وشكل المواطنة وموقع التعدد القومي والثقافي في سوريا ، وكانت تلك لحظة مناسبة لطرح مشروع كردي سوري جديد، يربط الحقوق الكردية بالديمقراطية، والاعتراف بالهوية الكردية ببناء دولة المواطنة، وينقل القضية من مجرد المطالبة بالاعتراف إلى موقع الشراكة في تأسيس سوريا الجديدة.
غير أن هذا التحول لم يتحقق بالقدر المطلوب. فقد بقيت قوى كردية عديدة أسيرة صراعاتها القديمة، وظهرت انقسامات واستقطابات جديدة، وتداخلت الحسابات الحزبية مع التأثيرات الإقليمية، بينما كان المجتمع السوري يدخل مرحلة بالغة التعقيد والدموية، وبذلك ضاعت فرصة كان يمكن أن تجعل الكرد طرفاً أساسياً في صياغة العقد الوطني السوري الجديد.
واليوم، بعد سقوط النظام السابق وبدء مرحلة سياسية سورية جديدة، تبدو المسؤولية أكبر. فالمرسوم رقم 13 الصادر عن الرئيس أحمد الشرع يمثل تحولاً مهماً في الخطاب الرسمي تجاه المواطنين الكرد السوريين، بما تضمنه من اعتراف بالكرد بوصفهم جزءاً أصيلاً من الشعب السوري، وبثقافتهم ولغتهم، إلى جانب معالجة آثار إحصاء عام 1962 ، وبغض النظر عن التقييم السياسي والقانوني للمرسوم، فإنه يفتح نافذة سياسية جديدة، ويضع الكرد أيضاً أمام مسؤولية المشاركة في بناء الدولة.
من هنا ينبغي أن تتغير طبيعة الأسئلة. فلم يعد السؤال فقط: ماذا ستعطي الدولة للكرد؟ بل أصبح أيضاً: ماذا سيقدم الكرد للدولة السورية الجديدة؟ وهذا لا يعني التخلي عن الحقوق القومية والثقافية والسياسية، وإنما نقل القضية من المطالبة إلى منطق المشاركة والمسؤولية. فالاعتراف بالحقوق لا يكتمل سياسياً إلا بتحول المواطن الكردي إلى شريك فاعل في مؤسسات الدولة والاقتصاد والتعليم والإدارة والبرلمان والقضاء والثقافة وسائر مجالات الحياة العامة ، وفي هذا السياق يبرز سؤال القيادة الكردية بصورة أكثر إلحاحاً. فاستمرار القيادات ذاتها لعقود طويلة، وإدارة بعض الأحزاب بعقلية المراحل السابقة، لم يعد مناسباً لعصر الذكاء الاصطناعي والإعلام الرقمي والسياسة العابرة للحدود. فالجيل الجديد من الكرد السوريين يعيش في عالم مختلف تماماً عن العالم الذي عاشه مؤسسو الحركة السياسية . لذلك فإن تجديد القيادة لا يعني تغيير الوجوه أو الأعمار، وإنما تغيير طريقة التفكير وإعادة إنتاج عقل سياسي جديد قادر على فهم التحولات السورية والإقليمية والدولية ، وهذا يتطلب مراجعة شجاعة للتجربة السياسية الكردية ، لا تقوم على جلد الذات ولا على تحميل طرف واحد مسؤولية الإخفاق، بل على طرح أسئلة صريحة: لماذا لم تنجح عشرات الأحزاب في إنتاج مؤسسة سياسية كردية ذات وزن وطني؟ ولماذا أصبحت الانشقاقات ظاهرة متكررة؟ ولماذا لم تتحول المنافسة السياسية إلى تنافس على البرامج؟ ولماذا لم تنجح النخب والمثقفون في بناء مركز فكري قادر على صياغة رؤية استراتيجية بعيدة المدى؟
إن تجاوز هذه الأزمة يحتاج إلى عقد سياسي كردي جديد يقوم على تحويل القضية الكردية من قضية حزبية إلى قضية مجتمعية، ورفض احتكار أي حزب لتمثيل الكرد، وإعادة بناء الأحزاب على أساس المؤسسات وتداول المسؤوليات، وفتح المجال أمام جيل جديد من السياسيين والباحثين والقانونيين والاقتصاديين والإعلاميين. كما يحتاج إلى خطاب كردي سوري واضح في هويته، سوري في انتمائه الوطني، وديمقراطي في مشروعه السياسي ، ويفترض ذلك أيضاً بناء علاقة متوازنة مع القوى الإقليمية. فالعلاقات مع القوى الكردية والإقليمية طبيعية بحكم التاريخ والجغرافيا، لكنها يجب ألا تتحول إلى تبعية تلغي خصوصية القرار الكردي السوري. فمستقبل الكرد السوريين يحسم في سوريا، ومن الضروري أن يكون لهم مركز ثقل سياسي سوري قادر على الجمع بين المصلحة الكردية والمصلحة الوطنية السورية.
إن أخطر ما يواجه الكرد اليوم ليس التشتت التنظيمي وحده، وإنما تحول هذا التشتت إلى حالة ذهنية تعيق مراجعة الماضي وصياغة المستقبل. والتاريخ لا يمنح الفرص إلى ما لا نهاية ، وقد أضاع الكرد فرصاً سابقة بسبب الانقسام وضعف القراءة السياسية وغياب المؤسسة القادرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة، بينما توجد اليوم فرصة جديدة، لكنها ليست مضمونة ولا مفتوحة إلى الأبد.
لذلك فإن المسؤولية التاريخية تقتضي ولادة نخبة كردية سورية جديدة، تعرف تاريخها وتحافظ على هويتها وتطالب بحقوقها من دون أن تعادي وطنها، وتدرك أن الانتماء القومي والثقافي الكردي يمكن أن يتكامل مع الانتماء الوطني السوري في إطار دولة المواطنة. المستقبل ليس لمن يملك قضية عادلة فقط، بل لمن يمتلك القدرة على تحويل عدالة قضيته إلى مشروع سياسي قابل للحياة، وربما تكون المهمة الكبرى أمام الكرد السوريين اليوم هي الانتقال من سؤال: كيف نحصل على حقوقنا؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف نبني سوريا وتصبح فيها حماية الحقوق الكردية جزءاً طبيعياً من حماية حقوق جميع السوريين؟ عندها فقط يمكن أن تتحول القضية الكردية إلى جزء أصيل من بناء الدولة السورية، والتنوع مصدر قوة لا سبباً للصراع، وتصبح المواطنة المتساوية أساساً لعلاقة الدولة بكل مكوناتها.