مئة عام على تأسيس مدينة قامشلي: ماذا أُنجز في العقد الأخير؟

حسين موسى

مع مرور مئة عام على تأسيس مدينة قامشلي، تبرز الحاجة إلى قراءة تاريخ المدينة وما شهدته من تحولات خلال قرن كامل، ولا سيما مقارنة ما أُنجز في العقود السابقة بما تحقق خلال العقد الأخير.

تعود بدايات تأسيس مدينة قامشلي إلى مرحلة ما بعد تقسيم كوردستان، أي سنة ١٩٢١م، ولا سيما بعد اتفاقية سايكس–بيكو وما ترتب عليها من فصل غربي كوردستان عن شمال كوردستان. وكانت المنطقة مرتبطة تاريخياً بمدينة نصيبين، إلا أن الإدارة الفرنسية احتاجت، بعد ترسيم الحدود الجديدة، إلى مراكز إدارية جديدة تسهّل إدارة المنطقة، فبدأت بتأسيس مدينة قامشلي.

ويرتبط اسم قامشلي بتسمية «قاميش» التي كانت تنمو على نهر جقجق، وقد صُممت المدينة وفق مخطط هندسي منظم، وشُرع في إنشاء بنيتها التحتية. كما أن الطريق الممتد من قامشلي إلى ديرك يعود إلى تلك المرحلة، إلى جانب عدد من المنشآت والخدمات التي أسستها الإدارة الفرنسية.

ومع وصول حزب البعث إلى الحكم في سوريا، بدأت مرحلة مختلفة اتسمت بسياسات التعريب والتضييق على الشعب الكوردي، وترسيخ الثقافة العربية على حساب الهوية الكوردية، وإنشاء المستوطنات وتوطين العرب فيها ومنحهم أراضي زراعية واسعة. كما توسعت الأجهزة الأمنية في المنطقة، وأصبح لكل منطقة تقريباً جهاز أمني ورجل معروف بنفوذه، الأمر الذي خلق حالة من الخوف والمراقبة المستمرة.

وفي مجال التعليم، استُخدمت المدارس أيضاً كوسيلة للتعريب، في حين حُرم عدد كبير من الكورد من التعليم بسبب نتائج إحصاء عام 1962 الاستثنائي، وما ترتب عليه من تصنيفات «المكتومين» و«الأجانب». وأقيمت الجمعيات الزراعية التي أصبحت إحدى أدوات السيطرة على المجتمع الزراعي، في الوقت الذي بقيت فيه المنطقة تعاني من الفقر والتهميش.

وفي مجال الثروة النفطية، لم تستفد المنطقة بالشكل الذي يتناسب مع ثرواتها، إذ كان نفط رميلان يُنقل إلى بانياس لتكريره، بينما بقيت المنطقة المنتجة تعاني من ضعف التنمية والخدمات.

ومع انتفاضة قامشلي عام 2004، التي سبقت الربيع العربي بسنوات، ظهرت بوضوح تطلعات الشعب الكوردي إلى الحرية والكرامة والاعتراف بحقوقه. وبعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، دخلت الحركة السياسية الكوردية مرحلة جديدة، وظهرت خلافات في الرؤى والمواقف بين القوى الكوردية، ولا سيما بين المجلس الوطني الكوردي ومجلس غربي كوردستان، بشأن الموقف من النظام والثورة ومستقبل المنطقة.

وهنا يطرح السؤال نفسه: ماذا قدمت ما تسمى بالإدارة الذاتية خلال ثلاثة عشر عاماً من حكمها للمنطقة، وهي التي رفعت شعارات «الأمة الديمقراطية» و«أخوة الشعوب»؟

إذا كانت التنمية تُقاس بالبنية التحتية والتعليم والخدمات والاقتصاد، فأين المدارس الجديدة التي بُنيت خلال هذه السنوات؟ وأين الطرق التي أُنشئت أو جرى تطويرها؟ وأين المشاريع الزراعية التي كان من المفترض أن تدعم الفلاح وتزيد من الإنتاج؟ وأين المشاريع الصناعية والاستثمارية التي تستفيد من موارد المنطقة؟

وبدلاً من ذلك، شهدت المنطقة، خلال فترة حكم الإدارة بحكم الأمر الواقع، التهجير والقتل والخطف والتدمير، وبناء شبكة واسعة من الأنفاق وإهدار أموال طائلة عليها دون فائدة تُذكر، سوى هشاشة الأرضية، وتحويل بعض المدارس إلى مواقع أو سكنات عسكرية، في حين بقيت قطاعات التعليم والطرق والخدمات الأساسية بحاجة إلى تطوير. كما تعرضت المحاصيل الزراعية في بعض المناطق للحرق، وأُعيد تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية ضمن نظام الكومينات، من دون أن ينعكس ذلك بصورة واضحة على المستوى المعيشي للسكان.

ولم تحقق هذه المرحلة، في نظر كثير من أبناء المنطقة، مكاسب تُذكر على مستوى التنمية أو تحسين حياة المواطن، بل تحولت قامشلي والمنطقة المحيطة بها إلى منطقة منكوبة، حيث مرّت سنوات ثقيلة من الخوف والفقدان؛ ففي كل بيت شهيد، وفي كل بيت مخطوف، وفي كل بيت حسرة، فيما دفعت الهجرة والنزوح الكثير من أبناء المنطقة إلى مغادرة أرضهم، ولا سيما فئة الشباب، الأمر الذي ترك أثراً عميقاً في المجتمع الكوردي.

أما على الصعيد السياسي والقومي، فقد كان الأهم هو غياب الوحدة الكوردية. فقد شهدت السنوات الماضية محاولات واتفاقات هدفت إلى توحيد الصف الكوردي، إلا أن الخلافات السياسية حالت دون الوصول إلى صيغة مشتركة ومستدامة. ومن بين أبرز الملفات الخلافية مسألة مشاركة قوات البيشمركة، التي بقيت موضع رفض من جانب ما تسمى الإدارة الذاتية.

وبعد ثلاثة عشر عاماً من إدارة المنطقة، ومع التطورات السياسية الأخيرة والحديث عن الاندماج وتسليم إدارة المنطقة دون ضمانات واضحة لحقوق الشعب الكوردي، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: ماذا تحقق فعلاً خلال هذا العقد؟

إذا كان القرن الأول من عمر قامشلي قد شهد مراحل متعاقبة من التأسيس والبناء، ثم التهميش والتعريب والقمع، فإن العقد الأخير كان يفترض أن يكون مرحلة بناء وتنمية وترسيخ للحقوق والوحدة الكوردية.

لكن السؤال الذي يبقى مطروحاً أمام الجميع هو: أين الإنجازات التي يمكن أن يلمسها المواطن في حياته اليومية؟

إن تقييم أي إدارة لا يكون بالشعارات، وإنما بما تقدمه من مدارس وطرق ومستشفيات وفرص عمل وتنمية اقتصادية، وبقدرتها على حماية حقوق شعبها وتوحيد صفوفه. ولذلك فإن مرور مئة عام على تأسيس قامشلي يجب ألا يكون مناسبة للاحتفال بالتاريخ فقط، بل فرصة لمراجعة الماضي والحاضر، وطرح سؤال المستقبل بوضوح: هل نجحنا خلال العقد الأخير في بناء ما عجزت عنه المراحل السابقة، أم أننا أضعنا فرصة جديدة من تاريخ هذه المدينة؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

لاوين ابراهيم تدخل كوردستان سوريا مرحلة مختلفة عن تلك التي تشكلت فيها منظومتها السياسية والعسكرية خلال سنوات الحرب. فمسار دمج قسد ومؤسسات الإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة السورية لا يمثل تحولاً عسكرياً وإدارياً فحسب، بل يفتح الباب أمام إعادة ترتيب المشهد السياسي الكردي أيضاً. خلال السنوات الماضية تشكلت منظومة متداخلة من الإدارة الذاتية، وقسد كقوة عسكرية، وPYD كقوة سياسية كان…

أحمد اسماعيل اسماعيل Ahmad Ismail Ismail هل العلّة في العقل الكردي أم في الثقافة التي تحاصره؟ تُتهم العقلية الكردية، في كثير من الأحيان، بالجمود أو بالعجز عن الفعل والإبداع. ولكن هل تكمن المشكلة حقاً في العقل الكردي ذاته؟ إن النظر إلى تجارب عدد من المبدعين الكرد الذين استطاعوا تجاوز الأنساق الثقافية والاجتماعية التقليدية يكفي لإثارة الشك في هذا الحكم. فسليم…

د. فريد سعدون هل كان سيسقط الأسد بشكل أسرع إن حاربته الأحزاب والقوى الكردية ولم تهادنه وتتغاضى عن الدخول في صراع مباشر معه … ؟؟ المسألة أكثر تعقيدا مما نتوقع، ولكن المساحة الجغرافية التي سيطر عليها الأكراد، والموارد الاقتصادية التي استحوذوا عليها، والقوة العسكرية التي امتلكوها، لو…

كاوى ازيزي Kawa Azizi العملية السلمية لحل معضلة ال ب ك ك مع الدولة التركية ، هامة واتت في مرحلة خطيرة تمر به الشرق الاوسط برمته . عملية تركيا بلا ارهاب وافقت عليه الاكثرية المطلقة لاحزاب تركيا بما فيهم حزب DEM PARTI. اذا ، اعترف الجميع بما حدث في تركيا منذ اربعين عاما كانت ارهابا ، لكن دم بارتي سمته…