صلاح بدرالدين
من تجربتي الشخصية في مجال الكتابة حول الحركة القومية – الوطنية الكردية السورية، حيث تناولت مبكراً مسألة تشخيص أزمة الحركة وسبل حلها، والإحاطة بعواملها الذاتية والموضوعية، وأسبابها الداخلية والخارجية برؤية نقدية، شعرت بلامبالاة إلى حدود تجاهل معظم النخب المثقفة، بل صدر من البعض رفض قاطع لوجود أية أزمة، وأن الحركة بخير، وكل شيء على ما يرام، إلى درجة أن من بين هذا البعض من وصفني بأنني: «أحارب الجميع وأبحث عن موقع بديل؟!».
في الأعوام الخمسة عشر الأخيرة، ظهر للعيان إخفاق أحزاب طرفي «الصراع ثم الاستقطاب ثم التضليل»، بحسب تعريفي لها في مراحل متتالية، وفشلها في تحقيق أية خطوة تجاه توحيد الحركة، وعدم التزامها بتعهداتها المتكررة في الاتفاقيات المبرمة بأربيل ودهوك، وعجزها تالياً في حل القضية الكردية، بالرغم من توفر الظروف الموضوعية المناسبة، قبل زوال الاستبداد، وبعد سقوطه في ديسمبر ٢٠٢٤، لأسباب باتت معروفة، أبرزها ترهل وتفكك الحركة الحزبية القائمة، وفقدان استقلاليتها، وتبعيتها لأجندة الخارج، والابتعاد كثيراً عن موقع تمثيل مصالح الشعب الكردي، والخروج من دائرة النضال القومي والوطني المفترضة والمأمولة، أقله من جانب أنصارها.
إلى جانب واجبات إنجاز المهام القومية والوطنية، والخشية من حدوث الفراغ في الساحة الكردية السورية، وقطعاً للطريق أمام ظهور تيارات متطرفة باسم الكرد، مقابل ردود فعل من البيئة العربية في المناطق المختلطة، وتنامي ظواهر غريبة مدمرة، لأن هناك من يسعى إلى المساهمة في انهيار الرابطة القومية والوطنية بين الكرد السوريين، بإحياء ظواهر ما قبل القومية، مثل العشائرية والمناطقية؛ تلك الرابطة التاريخية التي حافظت على صمود الشعب أمام كل المخططات العنصرية، واستمرار حيوية قضيته طوال عقود. هؤلاء يستخدمون في سعيهم هوية جديدة مناقضة للهوية القومية، وثقافة ومفردات وعناوين غريبة عن الثقافة القومية الجامعة، وانتماء بديلاً للنسيج الكردي.
لكل تلك الأسباب، طرحنا مشروع إعادة بناء الحركة الكردية، وتوفير شروط عقد المؤتمر الكردي الجامع لاستعادة الوحدة والشرعية، وتحقيق المصالحة، وإقرار المشروع الكردي للسلام والحوار، حتى واجهنا بعض تلك النخب مرة أخرى بالسلبية، والإصرار اللفظي بأن الكرد توحدوا، وأن كونفرانس نيسان بالقامشلي هو المرجعية والممثل الوحيد للكرد وقضيتهم، وأنه يحظى بدعم كردستاني من أربيل والسليمانية وقنديل، وأكثر من ذلك مدعوم من التحالف الدولي؟!
بعد ذوبان شعارات الكونفرانس، الذي ولد ميتاً بالأساس، والذي عمق الشرخ والتبعية، طالبنا العهد الجديد رسمياً، وبمذكرة معلنة، بدعم فكرة عقد المؤتمر الجامع المنشود بدمشق، العاصمة الوطنية، وتوفير مستلزمات عقده. تفاجأنا بحملة شعواء، من ضمنها «الذباب الإلكتروني الحزبي»، من التخوين والتنديد، وببوستات ومقالات من البعض تتصدرها عبارات «كلنا قسد»، أي ربط مصير الكرد بمجموعة مغامرة لم تكن يوماً جزءاً من الحركة الكردية السورية، إلى درجة أن المسؤولين بدمشق اعتبروا بدورهم فصل القضية الكردية عن مسألة «قسد» والتنظيمات الحزبية.
تطور إيجابي ولكن
نفس، أو قسم من ذلك البعض من النخب المتعلمة، ينشر منذ حين، بشكل شبه يومي، مقالات وبوستات قصيرة جداً تتضمن اعترافاً صريحاً بوجود أزمة في الحركة السياسية الكردية السورية، وفشل في أداء الأحزاب، وانتشار الفساد والمحسوبية، وضرورة التغيير. وهذا كله صحيح، وأعتبره نوعاً من المراجعة من دون «النقد الذاتي».
وبما أنني أؤمن بأن هناك الكثير من الطاقات الخلاقة في صفوف شعبنا، كنت وما زلت أنتظر من هذا البعض، وبينهم أصدقاء أحترمهم، استكمال خطوة المراجعة والاعتراف بالواقع المأزوم، وذلك بطرح سبل الحل والعلاج، إما بدعم مشروع إعادة البناء والمؤتمر الجامع المطروح منذ سنوات، أو بأية وجهة نظر أخرى تساعد على الخروج من الأزمة، وهذا ما نحن بأمس الحاجة إليه.
وأخيراً، أردد كلمات غرامشي:
«المثقف الحقيقي يفتح الأبواب ولا يحرسها…»