د . مرشد اليوسف
“من إرث البعث والاسدين إلى شراكة العرب والكرد في بناء المستقبل” .
عاش العرب والكرد في منطقة الجزيرة السورية طوال عقود على هامش الحياة السياسية والاقتصادية السورية. ولم تكن هذه الهامشية نتيجة طبيعية لتنوع المنطقة أو لوجود مكوّنين قوميين فيها، وإنما كانت في جانب كبير منها نتيجة سياسات الدولة المركزية التي حكمت سورية في عهد البعث والأسدين، حيث جرى التعامل مع المنطقة بوصفها مجالاً أمنياً وحدودياً أكثر من كونها جزءاً أساسياً من مشروع التنمية الوطنية.
لقد عانى العرب والكرد، وإن بدرجات وأشكال مختلفة، من سياسات التهميش والحرمان وضعف التنمية وغياب العدالة في توزيع الموارد والخدمات. وكانت السلطة تستخدم الانتماءات القومية والسياسية أحياناً بوصفها أدوات للشك والاتهام. فكان العربي في الجزيرة يُتهم بالتعاطف مع العراق أو بأنه «صدامي»، بينما كان الكردي يُتهم بأنه «برزاني» أو بأنه يحمل مشروعاً خارج الدولة. وهكذا جرى تحويل الانتماء القومي والسياسي إلى تهمة، وتحولت الهوية إلى مصدر للاشتباه بدلاً من أن تكون جزءاً طبيعياً من التنوع السوري.
البعث لم يظلم الكرد وحدهم
رغم أن الكرد تعرضوا بالفعل لسياسات قومية وتمييزية قاسية في مراحل مختلفة.
فالمنطقة العربية في الجزيرة والفرات عانت هي الأخرى من التهميش الاقتصادي والخدمي. وظلت قطاعات واسعة من السكان تعيش في ظروف صعبة، رغم أن المنطقة كانت من أهم المناطق الزراعية والنفطية والمائية في سورية.
لقد أنتجت المركزية الشديدة مفارقة واضحة: منطقة غنية بالموارد، وسكانها يعانون الفقر وضعف الخدمات.
وهذه المفارقة ينبغي أن تكون اليوم نقطة انطلاق للتفكير بالمستقبل.
وسقوط النظام لا يعني سقوط ثقافة النظام تلقائياً.
إن سقوط نظام سياسي لا يعني بالضرورة سقوط الثقافة السياسية التي زرعها خلال عقود.
فالعنصرية القومية، والخوف من الآخر، والتعبئة العشائرية، والتخوين، والنظر إلى المختلف باعتباره مشروعاً للانفصال أو التآمر، كلها ثقافات سياسية يمكن أن تستمر حتى بعد زوال النظام الذي أنتجها.
ولهذا فإن المرحلة الجديدة تحتاج إلى أكثر من تغيير السلطة، تحتاج إلى إعادة بناء العلاقة بين مكونات المجتمع نفسه.
وما يثير القلق اليوم هو ظهور أصوات من الوسط العربي تحاول إعادة إنتاج خطاب العداء للكرد، أو توظيف الانتماء العشائري والقومي في إثارة المشكلات والاحتقان. وإذا كانت هذه الأصوات مرتبطة فعلاً بأجندات خارجية، فإن خطورتها لا تقع على الكرد وحدهم، بل على الجزيرة كلها.
فالجزيرة التي تحتاج إلى الأمن والاستقرار والاستثمار وإعادة الإعمار لا تحتاج إلى مزيد من الحروب الصغيرة، ولا إلى تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عربي ـ كردي.
ولا يجوز تحميل العرب مسؤولية أفعال فئة منهم
وفي الوقت نفسه، من الضروري التفريق بين المكوّن العربي ككل وبين بعض الأصوات أو الجماعات التي تتحدث باسمه.
فالعرب والكرد في الجزيرة ليسوا شعبين غريبين عن بعضهما. لقد عاشوا عقوداً متجاورة، وتداخلت بينهم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والعشائرية، وشاركوا في الأسواق والقرى والمدن والجامعات والمؤسسات، وتشابكت مصالحهم بصورة عميقة.
ومن الخطأ أن يُطلب من العربي أن يدفع ثمن سياسات بعض المحرضين، كما أنه من الخطأ أن يُطلب من الكردي أن ينظر إلى كل عربي باعتباره خصماً.
إن المعادلة الصحيحة هي:
المحرّض مسؤول عن خطابه، وليس المكوّن الذي ينتمي إليه.
وهذه قاعدة أساسية إذا أراد المجتمع في الجزيرة أن يتجاوز مرحلة الاستقطاب.
والمطلوب من المكوّن العربي: استعادة دوره الوطني لا الدخول في صراع قومي .
فالمكوّن العربي في الجزيرة يمتلك دوراً أساسياً في بناء المستقبل، وهذا الدور لا يتحقق عبر مواجهة الكرد أو التشكيك بحقوقهم، وإنما عبر المشاركة الفاعلة في مشروع تنمية المنطقة.
والمنطقة العربية والكردية في الجزيرة تعانيان من المشكلات نفسها تقريباً: ضعف البنية التحتية، البطالة، الفقر، الهجرة، ضعف الخدمات الصحية، تراجع التعليم، مشاكل الزراعة، نقص الاستثمارات، وغياب المشاريع الكبرى القادرة على تحويل ثروات المنطقة إلى تنمية حقيقية.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس:
من يسيطر على الجزيرة؟
بل:
كيف نجعل الجزيرة مكاناً صالحاً للحياة والعيش الكريم لكل أبنائها؟
هذه هي المعركة الحقيقية.
الجزيرة لا تستطيع النهوض بجناح واحد
إن الجزيرة السورية لا تستطيع أن تنهض إذا حاول أحد مكوناتها إقصاء المكوّن الآخر.
فالجزيرة تحتاج إلى جناحيها: الجناح العربي والجناح الكردي، وإلى جميع مكوناتها الأخرى.
وكما أن الطائر لا يستطيع التحليق بجناح واحد، فإن الجزيرة لا تستطيع بناء مستقبلها إذا تحول العرب والكرد إلى مشروعين متصارعين.
والمصلحة العربية والمصلحة الكردية في الجزيرة ليستا بالضرورة متعارضتين. بل إن هناك مساحة واسعة من المصالح المشتركة: الأمن، التنمية، الزراعة، التعليم، الصحة، الطرق، المياه، الطاقة، التجارة، والاستثمار.
ومن هنا ينبغي الانتقال من سؤال «من يحكم؟» إلى سؤال «كيف نحكم معاً؟»، ومن سؤال «من يملك المنطقة؟» إلى سؤال «كيف نبني المنطقة معاً؟».
من ثقافة الخوف إلى ثقافة الشراكة
لقد عاش العرب والكرد عقوداً طويلة تحت سلطة تخوّف الجميع من الجميع.
كان النظام يخشى من الكرد، ويشك في بعض العرب، ويراقب العشائر، ويضع الجميع تحت رقابة أمنية وسياسية. وفي النهاية لم يكن المواطن العربي أو الكردي هو المستفيد من هذه السياسة، بل كانت السلطة المركزية هي المستفيد الأكبر من استمرار المخاوف المتبادلة.
لذلك فإن التخلص من إرث الماضي يتطلب رفض الثقافة التي تقول:
«إذا حصل الكرد على حقوقهم فسوف يخسر العرب».
والحقيقة أن حقوق الكرد لا تعني حرمان العرب من حقوقهم، كما أن تنمية المناطق العربية لا تعني إضعاف المناطق الكردية.
والحقوق ليست كعكة محدودة يتقاسمها طرفان. بل يمكن للدولة العادلة أن توسع مساحة الحقوق للجميع.
والتنمية هي المشروع الذي يجب أن يوحّد الجميع
وربما يكون أفضل رد على الخطاب العنصري هو إطلاق مشروع تنموي واسع للجزيرة والفرات.
مشروع يعيد بناء الطرق، ويطور الزراعة، ويستثمر النفط والغاز بصورة شفافة، ويعيد تأهيل شبكات المياه والكهرباء، ويبني المستشفيات والجامعات، ويخلق فرص العمل للشباب، ويشجع الصناعات الزراعية، ويوقف نزيف الهجرة.
عندها سيكتشف العربي والكردي أن مصالحهما اليومية أكبر بكثير من الخلافات التي يحاول السياسيون أو أصحاب الأجندات الخارجية زرعها بينهما.
فالشاب العربي الذي يبحث عن فرصة عمل والشاب الكردي الذي يبحث عن فرصة عمل لديهما المشكلة نفسها.
والفلاح العربي الذي يحتاج إلى مياه الري والفلاح الكردي الذي يحتاج إليها يقفان أمام المشكلة نفسها.
والمريض العربي الذي يبحث عن مستشفى والمريض الكردي الذي يبحث عن مستشفى يحتاجان إلى الخدمة نفسها.
وهنا تبدأ المواطنة الحقيقية.
رسالتي إلى العقلاء من العرب والكرد هي :
ان المرحلة الجديدة تحتاج إلى أصوات العقلاء أكثر مما تحتاج إلى أصوات المحرضين.
وعلى الشخصيات العربية الاجتماعية والسياسية والدينية أن تقول بوضوح إن الكرد ليسوا أعداء العرب، وأن حقوق الكرد لا تنتقص من حقوق العرب.
وعلى الشخصيات الكردية في المقابل أن تؤكد أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يبنى ضد العرب، وأن الشراكة مع المكوّن العربي ليست تكتيكاً سياسياً مؤقتاً، وإنما ضرورة تاريخية واجتماعية.
إن المطلوب ليس أن يتخلى الكرد عن خصوصيتهم، ولا أن يتخلى العرب عن هويتهم، وإنما أن يلتقي الطرفان في إطار مواطنة سورية عادلة تحترم التعدد القومي والثقافي.
لقد أضاع البعث والأسدان نصف قرن من عمر الجزيرة والفرات في سياسات الخوف والتهميش والمركزية والصراع المفتعل.
والخطر اليوم هو أن يرث المجتمع نفسه هذه الثقافة بعد سقوط النظام، فيعيد إنتاجها بأسماء جديدة وأدوات جديدة.
إن مستقبل الجزيرة لن يُبنى بالتهديدات، ولا بخيم الحرب، ولا بالتحريض العشائري، ولا باستدعاء الخارج، ولا بإثارة العداء بين العرب والكرد.
سيُبنى بالمدرسة والمستشفى والطريق والجامعة والمزرعة والمصنع، وبالأمن والاستقرار، وبإعادة توزيع عادل للثروة، وبإدارة محلية قادرة على الاستجابة لحاجات الناس، وبشراكة حقيقية بين مكونات المنطقة.
إن على العرب والكرد أن يدركوا أن أمامهم فرصة تاريخية:
إما أن يسمحوا لقوى الصراع بأن تستخدمهم ضد بعضهم، وإما أن يحولوا تجربتهم المريرة إلى مشروع مشترك لبناء جزيرة جديدة.
جزيرة لا يكون فيها العربي خائفاً من الكردي، ولا الكردي خائفاً من العربي؛ بل يكون الاثنان مطمئنين إلى أن حقوقهما محفوظة، وأن مستقبلهما مرتبط ببعضهما.
فالجزيرة لن تنهض بالعربي وحده، ولن تنهض بالكردي وحده.
الجزيرة ستنهض عندما يضع جناحاها العربي والكردي أيديهما معاً، ويتحولان من ضحايا لماضي البعث إلى شركاء في صناعة المستقبل.