ألسوريون وتجربة هولندا بعد الحرب العالمية الثانية

م.عبد الباقي علي

خرجت هولندا من الحرب العالمية الثانية سنة 1945 وهي تعاني من الاحتلال والدمار ونقص الغذاء والسكن وتضرر البنية التحتية. وكان المجتمع الهولندي منقسمًا بين تيارات دينية وسياسية واجتماعية مختلفة، لكل منها رؤيته الخاصة للدولة والاقتصاد والمجتمع. ومع ذلك، استطاعت هذه التيارات التعاون ضمن حكومات ائتلافية ساعدت على إعادة بناء البلاد وتحقيق الاستقرار.

ومن أبرز صور هذا التعاون التحالف بين الكاثوليك والاشتراكيين، رغم الاختلاف الكبير في أفكارهما. فقد كان التيار الكاثوليكي محافظًا ومتأثرًا بالقيم الدينية، بينما ركز الاشتراكيون على حقوق العمال وتوسيع دور الدولة في الاقتصاد والخدمات الاجتماعية. لكن الطرفين أدركا أن هولندا بعد الحرب لم تكن تحتمل استمرار الصراع السياسي، وأن إنقاذ البلاد يتطلب برنامجًا وطنيًا مشتركًا.

لم يكن المطلوب من الكاثوليكيين أن يصبحوا اشتراكيين، ولا من الاشتراكيين أن يتخلوا عن أفكارهم. بل اتفقوا على أهداف عملية، مثل إعادة تشغيل الاقتصاد، وبناء المساكن، وإصلاح البنية التحتية، وتوفير فرص العمل، وتطوير الضمان الاجتماعي واستعادة الثقة بمؤسسات الدولة.

وهذه النقطة مهمة عند التفكير في مستقبل سوريا. فالمجتمع السوري متنوع دينيًا ومذهبيًا وقوميًا وسياسيًا، ويضم المسلمين بمذاهبهم المختلفة، والمسيحيين والدروز والإيزيديين، إضافة إلى العرب والكرد والسريان والآشوريين والأرمن والتركمان وغيرهم. لذلك لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا حاول تيار واحد فرض رؤيته الدينية أو السياسية على المجتمع كله.

قد يكون أحد التيارات الأقوى في مرحلة معينة ذا خلفية إسلامية محافظة أو متشددة، بينما توجد قطاعات واسعة ذات توجهات مدنية أو قومية أو يسارية أو ليبرالية، إضافة إلى مواطنين لا ينتمون إلى أي تيار سياسي. وجود الاختلاف ليس المشكلة، لأن معظم المجتمعات تضم تيارات متعارضة. تبدأ المشكلة عندما يعتقد طرف أنه وحده يمثل الشعب، أو عندما يستخدم قوته لاحتكار الدولة وإقصاء الآخرين.

إن الدرس الهولندي هو أن امتلاك القوة أو الشعبية لا يمنح أي تيار حق حكم الدولة منفردًا. فالدولة ليست ملكًا للحزب الأقوى أو الجماعة الأكبر، بل هي إطار مشترك لجميع المواطنين. ولهذا تحتاج سوريا إلى حكومات ائتلافية احترافية تشارك فيها الاتجاهات المختلفة على أساس الكفاءة والبرنامج الوطني، لا على أساس المحاصصة الشكلية أو توزيع المناصب لإرضاء الزعماء.

الحكومة الاحترافية لا تعني حكومة بلا توجه سياسي، بل حكومة تضم وزراء وخبراء يمتلكون الكفاءة ويعملون ضمن برنامج واضح يمكن مراقبته ومحاسبته. ويمكن أن تضم إسلاميين معتدلين، ومدنيين، وليبراليين، ويساريين، وقوميين، ومستقلين، وممثلين عن المكونات المختلفة، بشرط التزام الجميع بالدستور والقانون والمواطنة المتساوية.

ولا ينبغي أن تتحول المشاركة إلى تعيين شخص من كل طائفة أو قومية في منصب رمزي. فالتمثيل الحقيقي يعني المشاركة في اتخاذ القرار وصياغة السياسات، وضمان عدم احتكار الجيش والأمن والقضاء والاقتصاد والإعلام من طرف واحد. كما يعني اختيار المسؤولين على أساس الخبرة والنزاهة، لا لمجرد انتمائهم الديني أو القومي.

ومن الضروري التمييز بين حق التيارات الدينية في المشاركة السياسية وبين فرض رؤيتها على المجتمع. يمكن للتيارات الإسلامية أن تطرح برامجها مثل غيرها، لكنها لا تستطيع ربط حقوق المواطنة بالدين أو المذهب. وفي المقابل، لا يحق للتيارات العلمانية إقصاء المتدينين أو اعتبارهم خطرًا لمجرد هويتهم. المطلوب نظام يسمح للجميع بالمشاركة، ويمنع الجميع من فرض عقيدتهم بالقوة.

ويحتاج هذا التعاون إلى اتفاق دستوري واضح يضمن المساواة بين المواطنين، وحرية الدين والمعتقد والتعبير والتنظيم السياسي، واستقلال القضاء والتداول السلمي للسلطة. كما يجب أن يحدد صلاحيات الحكومة والرئاسة والبرلمان، حتى لا تتحول السلطة مجددًا إلى حكم فردي أو حزبي مطلق.

إن تشكيل حكومة ائتلافية لا يعني تجاهل الجرائم أو التنازل عن العدالة. فلا يمكن تحقيق مصالحة حقيقية من دون محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة. لكن العدالة يجب أن تكون فردية وقانونية، لا انتقامًا من جماعة دينية أو قومية أو سياسية بأكملها. ويجب التفريق بين من ارتكب الجرائم ومن عمل في مؤسسات الدولة من دون المشاركة فيها.

كما تحتاج سوريا إلى الحفاظ على الخبرات الضرورية لتسيير الدولة. فقد يؤدي فصل أعداد كبيرة من الموظفين بسبب انتماءاتهم السابقة إلى انهيار الوزارات والمدارس والمستشفيات. لذلك يجب تقييم كل حالة بصورة فردية، وإبعاد المتورطين في الجرائم والفساد، والاستفادة من أصحاب الكفاءة الذين لم تثبت مشاركتهم في الانتهاكات.

ومن الدروس الهولندية المهمة التعاون بين الحكومة وأصحاب الأعمال والنقابات والعمال، فقد ساعد ذلك على إعادة تشغيل الاقتصاد وتنظيم الأجور والأسعار والإنتاج. ويمكن لسوريا إنشاء مجلس اقتصادي واجتماعي يضم العمال والمزارعين والتجار والصناعيين والخبراء والمجتمع المدني للمشاركة في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

وتحتاج الحكومة المستقبلية إلى وضع أولويات عملية يتفق عليها الجميع، حتى مع استمرار الخلافات الفكرية. ويمكن أن تشمل هذه الأولويات إعادة الكهرباء والمياه، وترميم المدارس والمستشفيات، وبناء المساكن، وتوفير فرص العمل، وحماية ممتلكات اللاجئين والنازحين، وإعادة تشغيل الزراعة والصناعة ومحاربة الفساد.

فالمواطن الذي فقد بيته أو عمله لا يحتاج أولًا إلى صراعات أيديولوجية حول هوية المجتمع، بل إلى الأمن والعدالة والخدمات وفرصة العيش الكريم. ولهذا يجب أن تتنافس الأحزاب على تقديم أفضل البرامج، لا على إثبات أن أحدها أكثر وطنية أو تدينًا من الآخر.

ولا يعني التعاون أن الخلافات ستختفي. فقد تختلف الأحزاب حول دور الدين في الحياة العامة، والسياسة الاقتصادية، والعلاقات الخارجية، وشكل الإدارة المحلية. لكن هذه الخلافات يجب أن تُدار داخل البرلمان والمؤسسات، لا بالسلاح أو التخوين والإقصاء.

كما أن المشاركة السياسية لا تنجح من دون جيش وشرطة يخضعان للدولة والقانون، ولا يتبعان حزبًا أو جماعة أو قائدًا بعينه. فإذا بقي السلاح خارج المؤسسات أو احتكر تيار واحد الأجهزة الأمنية، فلن تشعر بقية المكونات بأنها شريكة، وستصبح الحكومة الائتلافية مجرد واجهة شكلية.

وتستطيع سوريا الاستفادة من خبرات السوريين في الخارج، فقد اكتسب كثير منهم خبرات في الإدارة والطب والهندسة والتعليم والاقتصاد والقانون. ويمكن الاستعانة بهم في المؤسسات والحكومات المهنية، بعيدًا عن تصنيفهم وفق انتماءاتهم السياسية، لأن إعادة بناء الدولة تحتاج إلى أفضل الكفاءات السورية في الداخل والخارج.

ومع ذلك، لا يمكن نسخ التجربة الهولندية حرفيًا. فهولندا بعد الحرب كانت تملك مؤسسات دستورية قديمة، وكانت خلافاتها أقل تعقيدًا من الحالة السورية. أما سوريا فقد تعرضت لحرب طويلة، وانقسامات عسكرية واجتماعية عميقة، ونزوح واسع وتدخلات خارجية متعددة. لذلك ستكون عملية التوافق أصعب، وستحتاج إلى ضمانات قانونية ومؤسسات قوية وصبر طويل.

لكن المبدأ الأساسي يبقى صالحًا: لا يمكن لتيار واحد، مهما بلغت قوته، أن يعيد بناء بلد متنوع وحده. كما لا يمكن أن تنجح حكومة تقوم على توزيع المناصب بين الطوائف والجماعات من دون كفاءة أو برنامج مشترك. المطلوب هو حكومة ائتلافية احترافية تجمع المختلفين حول أهداف وطنية واضحة.

لقد تعاون الكاثوليك والاشتراكيون في هولندا لأنهم أدركوا أن إنقاذ البلاد أهم من انتصار طرف على آخر. وهذا ما تحتاج إليه سوريا أيضًا: أن يدرك الإسلاميون والمدنيون، والمحافظون والليبراليون، والعرب والكرد، والمسلمون والمسيحيون وسائر المكونات أن الدولة لا يمكن أن تُبنى بإقصاء أحد.

إن مستقبل سوريا لن يصنعه انتصار جماعة على بقية الجماعات، بل قدرتها على بناء نظام يحمي اختلافها. فالتعاون لا يعني التخلي عن المبادئ، وإنما قبول أن الوطن يتسع لأكثر من رؤية، وأن السلطة مؤقتة، بينما الدولة والمواطنة وحقوق الناس يجب أن تبقى ثابتة.

وفي النهاية، فإن أهم ما يمكن أن يتعلمه السوريون من تجربة هولندا هو أن إعادة البناء تبدأ بعقد سياسي جديد، لا يطلب من السوريين أن يصبحوا متشابهين، بل يضمن لهم أن يعيشوا مختلفين ومتساوين في دولة واحدة. ومن دون هذا التوافق، قد تُبنى الطرق والمنازل، لكن الاستقرار الحقيقي سيبقى بعيدًا. 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

هجران قزانجي بصفتي شخصا شارك بشكل فاعل في العمل السياسي العراقي المرتكز على القضية التركمانية منذ عام 1992، أؤمن بأن الشعبين الأكثر فهما لبعضهما البعض في العراق هما التركمان والكرد. فالتاريخ لم يجمعهما في صفحات مشتركة فحسب، بل صاغ بينهما تجربة طويلة من التعايش والتفاعل، ورسخت الجغرافيا هذا القرب، بينما عمقت التحديات والمحن المشتركة إدراك كل منهما لخصوصية الآخر. ولهذا…

تصريح الناطقة باسم الهيئة المرحلية ” للحركة الوطنية الكردية “ عقدت الهيئة المرحلية ” للحركة الوطنية الكردية ” لقاءها الافتراضي الثاني عشر بعد المائة وبعد مناقشة بنود جدول العمل توصلت الى التصورات التالية : ١ – تزداد يوما بعد يوم مكانة سوريا الجديدة الإقليمية والدولية ، وتتعزز مكانتها في ترسيخ الامن والاستقرار ، ومواجهة الإرهاب ، وفي القيام بحكم الموقع…

د. فيسي داغ التحول الأيديولوجي الأخير لزعيم حزب العمال الكردستاني يلقي باللوم على إسرائيل في معاناة الكرد، رغم أن الأدلة التاريخية تشير إلى خلاف ذلك. شهدت السياسة الكردية تحولا دراماتيكيا منذ أن أطلقت تركيا ما سمته مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب» في تشرين الأول/أكتوبر 2024، من خلال الانخراط في حوار مع زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل عبد الله أوجلان. أوجلان،…

حسن قاسم لماذا يختار كثير من أبناء البلدان العربية والمجتمعات المتأزمة مغادرة أوطانهم، رغم ارتباط الإنسان الطبيعي بأرضه وذكرياته وأهله؟ هل الهجرة مجرد بحث عن الرزق، أم أنها في كثير من الأحيان تعبير عن رغبة أعمق في الهروب من واقع يشعر فيه الإنسان بأنه محاصر، ومحروم من أبسط شروط الحياة الكريمة؟ في بعض البلدان، يعيش الناس وسط أزمات متراكمة: اقتصاد…