نيجيرفان بارزاني في دمشق… حين تعود كردستان إلى صناعة القرار في الشرق الأوسط.

صديق شرنخي 

المانيا / بوخم

ليست كل الزيارات السياسية متشابهة؛ فبعضها يندرج في إطار البروتوكول الدبلوماسي، وبعضها الآخر يتحول إلى محطة مفصلية تعكس تحولات أعمق من مجرد لقاءات رسمية. ومن هذا النوع تأتي زيارة رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، إلى العاصمة السورية دمشق، فهي ليست مجرد زيارة بين مسؤولين، بل يمكن قراءتها بوصفها أحد مؤشرات المرحلة الجديدة التي تتشكل في الشرق الأوسط بعد سنوات من الحروب والصراعات وإعادة رسم موازين القوى.
لقد دخلت المنطقة، منذ حرب غزة وما أعقبها من المواجهة الأمريكية الإيرانية، مرحلة مختلفة تمامًا عما سبقها. فالمشروع الذي قامت عليه سياسة المحاور الإقليمية تعرض لهزات عميقة، وبدأت العواصم الفاعلة تبحث عن شركاء قادرين على إنتاج الاستقرار بدل تصدير الأزمات، وعن قوى تمتلك المصداقية والقدرة على بناء التفاهمات، لا على تعميق الانقسامات.
وفي هذا السياق، برز إقليم كردستان بوصفه أحد أكثر النماذج استقرارًا في الشرق الأوسط. فعلى الرغم من كل العواصف التي ضربت المنطقة، حافظ الإقليم على أمنه ومؤسساته، وأثبت أن الاعتدال السياسي والانفتاح على الجميع يمكن أن يتحولا إلى مصدر قوة ونفوذ. وقد كان للرئيس نيجيرفان بارزاني دور محوري في ترسيخ هذه السياسة، عبر بناء شبكة واسعة من العلاقات مع الولايات المتحدة وتركيا والدول العربية وأوروبا، دون أن يتحول إلى طرف في صراعات المحاور.
من هنا، فإن وصوله إلى دمشق لا يمثل مجرد زيارة لرئيس إقليم اتحادي، بل يعكس إدراكًا متزايدًا بأن أربيل أصبحت لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاوزه في ملفات الأمن والاستقرار والطاقة والتسويات السياسية. فالمعادلات الجديدة في الشرق الأوسط لم تعد تسمح بإقصاء القوى المعتدلة التي أثبتت قدرتها على الحوار، وفي مقدمتها القيادة البارزانية.
ولم يكن هذا الدور وليد اللحظة، بل هو حصيلة عقود من السياسة الواقعية التي انتهجها الزعيم الخالد مصطفى بارزاني، ثم الرئيس مسعود بارزاني، واليوم الرئيس نيجيرفان بارزاني، والتي قامت على مبدأ أن القوة الحقيقية لا تكمن في إشعال الصراعات، بل في القدرة على حماية المصالح القومية، وفتح أبواب الحوار، وبناء الثقة مع الجميع.
وعلى الصعيد السوري، تكتسب الزيارة أهمية استثنائية لأنها تأتي في وقت باتت فيه دمشق نفسها أمام استحقاق إعادة بناء الدولة وإغلاق ملفات النزاع الداخلي. ومن الطبيعي أن تكون القضية الكردية في مقدمة هذه الملفات، باعتبارها واحدة من أهم القضايا الوطنية التي لا يمكن تجاوزها في أي مشروع لبناء سوريا مستقرة وموحدة.
إن الكرد في سوريا لم يعودوا يُنظر إليهم بوصفهم ملفًا أمنيًا كما كان الحال لعقود طويلة، بل أصبحوا طرفًا أساسيًا في أي معادلة سياسية مستقبلية. وهذه نقلة تاريخية بكل المقاييس، لأنها تنقل القضية الكردية من أقبية الأجهزة الأمنية، ومن الاجتماعات السرية التي كانت تعقدها الدول المناهضة للحقوق الكردية، إلى طاولة القرار السياسي وإلى أعلى مستويات الدولة السورية.
ولعل الصورة التي شهدها قصر الشعب في دمشق برفع علم كردستان واستقبال رئيس إقليم كردستان تحمل رمزية سياسية كبيرة. فهي ليست مجرد لقطة بروتوكولية، بل رسالة مفادها أن الكرد باتوا يُستقبلون بصفتهم شريكًا في الحوار، وأن التعامل مع قضيتهم أخذ ينتقل تدريجيًا من منطق الإنكار إلى منطق البحث عن حلول سياسية.
ومن المتوقع أن تشمل المرحلة المقبلة بحث ملفات جوهرية، من بينها تثبيت الحقوق الدستورية والقومية والثقافية للكرد، وتنفيذ التفاهمات السابقة، وتحويل أي مراسيم أو إجراءات رئاسية إيجابية إلى نصوص قانونية ودستورية دائمة، بما يضمن عدم العودة إلى سياسات التهميش والإقصاء التي عانى منها الكرد طوال عقود.
وفي الجانب الاقتصادي، لا تقل أهمية الزيارة عن بعدها السياسي. فسوريا تحتاج إلى منافذ اقتصادية جديدة، وإقليم كردستان يمتلك الموقع الجغرافي والعلاقات الإقليمية التي تؤهله ليكون بوابة للتجارة والطاقة والاستثمار. كما أن مشاريع نقل النفط وفتح الأسواق وربط الممرات الاقتصادية قد تصبح جزءًا من رؤية أوسع لإعادة دمج سوريا في محيطها الاقتصادي، وتحقيق مصالح مشتركة لجميع الأطراف.
وليس من المبالغة القول إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من منطق الصراع إلى منطق التسويات. وفي مثل هذه المراحل، يبرز دور الشخصيات السياسية التي تمتلك ثقة مختلف الأطراف، وهو ما يفسر المكانة التي بات يحتلها الرئيس نيجيرفان بارزاني في المعادلات الإقليمية.
إن هذه الزيارة لا تعني دمشق وحدها، ولا تخص الكرد وحدهم، بل تعكس تحوّلًا في النظرة إلى إقليم كردستان بوصفه عامل استقرار، وإلى القيادة البارزانية بوصفها شريكًا في صناعة مستقبل المنطقة، لا مجرد متلقٍ لقرارات الآخرين.
لقد مرت عقود طويلة كانت القضية الكردية خلالها تُناقش خلف أبواب مغلقة، وتُدار بمنطق أمني صرف، أما اليوم فإنها أصبحت تُطرح على أعلى المستويات السياسية، وأصبح رئيس إقليم كردستان يدخل دمشق من بوابة الدولة، لا من بوابة الوساطات الخفية. وهذه، بحد ذاتها، لحظة سياسية تستحق التوقف عندها، لأنها قد تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الحوار والاعتراف المتبادل أساسًا لمعالجة واحدة من أقدم قضايا الشرق الأوسط.
ولعل أهم ما تكشفه هذه الزيارة هو أن المشروع البارزاني، الذي قام منذ بداياته على الواقعية السياسية، وحماية القرار الكردستاني المستقل، وبناء العلاقات مع الجميع، يثبت مرة أخرى قدرته على التكيف مع التحولات الكبرى، وعلى تحويل كردستان من ساحة تتأثر بأحداث المنطقة إلى طرف يشارك في صناعة مستقبلها. وإذا استمرت هذه المقاربة، فإن زيارة نيجيرفان بارزاني إلى دمشق قد تُسجل مستقبلًا بوصفها إحدى المحطات التي دشنت مرحلة جديدة في العلاقة بين دمشق والكرد، وبين سوريا وإقليم كردستان، وبين الشرق الأوسط وموازين القوى التي تتشكل فيه.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د . مرشد اليوسف تُعد زيارة الرئيس البرزاني إلى دمشق من أهم المحطات السياسية في المرحلة السورية الراهنة، لأنها تأتي في مرحلة تتقاطع فيها قضايا بناء الدولة السورية، ومستقبل محافظة الحسكة والعلاقات الإقليمية، مع ملف القضية الكردية بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيدًا منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة. ولا تنبع أهمية الزيارة من شخصية البرزاني فحسب، بل من كونها تأتي…

حسن قاسم أعتذر إلى محمود درويش، لا لأن قصيدته “سجّل أنا عربي” تفتقر إلى الجمال، فهي من روائع الشعر العربي الحديث، بل لأنني أختلف مع القراءة التاريخية التي قد توحي بها لدى البعض، حين تبدو العروبة وكأنها هوية أصيلة ومتجانسة لمعظم شعوب المنطقة منذ فجر التاريخ. في تقديري، لا ينبغي أن يتحول الشعر إلى مرجع للتاريخ، لأن التاريخ أكثر تعقيدًا…

محمود أوسو تشكل القضية الكردية واحدة من أكبر المفارقات في السياسة العربية المعاصرة. فمنطقياً، ووفقاً لمعادلة عدو عدوي صديقي، كان ينبغي أن يكون الكرد حلفاء طبيعيين للأنظمة العربية في مواجهة التمدد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان. الواقع يؤكد ذلك: القوات الكردية كانت الحاجز البشري الذي أوقف مشروع الهلال الشيعي عند نهر الفرات، وهي القوة التي فككت بنية داعش عسكرياً…

أمين شيخ كلين ياسادة الافاضل : الرئيس البارزاني في دمشق ، بدعوة رسمية من الرئيس أحمد الشرع ، واستقبال رسمي في قصر الشعب السوري وحسب البروتوكول الرياسي المعتمد ، الملفت للانتباه هو رفع العلم الكردستاني لأول مرة في تاريخ سورية منذ نشأتها ، لان الحكومات السورية المتعاقبة ودون استثناء حاربت الأكراد وقضيتهم بكل الوسائل وبلاهوادة ومشروعي الإحصاء والحزام العربي ثم…