د. إسماعيل حصاف
يقف حل المسألة الكردية في سورية اليوم، عبر الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي وضمان خصوصيته القومية والجيوبوليتيكية، كأولوية وطنية جامعة وشرط حتمي لضمان بقاء الدولة واستقرار مستقبلها. إن تجاوز عقود من الإنكار والتهميش يتطلب صياغة عقد اجتماعي جديد يتجاوز المفاهيم التقليدية للمواطنة الإقصائية، ويؤسس لنموذج وطني تشاركي يمنع انزلاق البلاد نحو التفتيت أو العودة إلى مربع الاستبداد.
أن مأزق ديمقراطية الأغلبية وغياب حل دستوري مسبق للمسألة القومية يحوّل الديمقراطية الانتخابية القائمة على حكم الأغلبية البسيطة (50%+1) من أداة للتداول السلمي للسلطة إلى وسيلة للهيمنة القومية الدائمة للأغلبية العددية. هذا الواقع يولد لدى المكونات الأصغر شعوراً بالاضطهاد الممنهج والتهميش الوجودي، مما يسرّع من وتيرة اللجوء إلى التمرد أو السعي الحثيث نحو الانفصال.لذلك، يجب أن تسبق العملية الديمقراطية -أو تسير معها بالتوازي- مرحلة “التوافق التاريخي” بين القوميات على قواعد اللعبة الأساسية، والتي تشمل:صياغة الدستور الجامع.التوزيع العادل للثروات الوطنية.ترسيم السياسة اللغوية للبلاد.تحديد شكل الإدارة (سواء عبر الفيدرالية أو اللامركزية السياسية الموسعة).هذا التوافق هو الأساس الصلب الذي بدونه تصبح الديمقراطية بلا مرجعية تحميها من صدمات الصراع الهوياتي. ومن هذا المنطلق فأن إعتماد “مبدأ التوافق” في البرلمان السوري هو الخيار الأفضل لمعالجة حقوق الشعب الكردي كثاني قومية رئيسية في البلاد ومنح المكونات الإتنية والمذهبية حقوفهم المشروعة.
أن هواجس الشارع الكردي ومفهوم المواطنة في دول الجوار تثير المخاوف والقلق في الشارع الكردي السوري من إمكانية إعادة إنتاج سياسات “الاندماج والصهر القسري” المعمول بها في دول الجوار الإقليمي.ففي تركيا وإيران، يتأسس مفهوم المواطنة على فلسفة صهر الهوية الكردية ضمن هوية وطنية كبرى تفرضها السلطة المركزية بالحديد والنار أو بالدستور الإقصائي، حيث يُحرم الكرد من حقوقهم القومية المشروعة الثقافية والسياسية كشعب أصيل يعيش على ارضه التاريخي، وتُصنّف مطالبهم المشروعة كتهديد للأمن القومي. لذلك، يتطلع الكرد في سورية إلى نموذج مواطنة مختلف تماماً، يقوم على الشراكة والاعتراف لا على الصهر والتذويب القومي.
يمثل البرلمان (السلطة التشريعية) الساحة السياسية والقانونية الشرعية الوحيدة القادرة على نقل القضية الكردية من مربع الصراع والإنكار إلى مربع الحل الدستوري ومؤسسات الدولة. ولكي ينجح البرلمان السوري في هذه المهمة، يجب إحلال “مبدأ التوافق” كقاعدة ناظمة للعملية التشريعية بدلاً من آلية “تصويت الأغلبية والأقلية”، فالقضايا الوجودية الكبرى لا تُحل بكسر الإرادات العددي، بل بالإجماع والشراكة.في هذا الإطار. يبرز التمييز العلمي الدستوري بين مفهومين لغويين كأداة لحل الأزمة:اللغة القومية: وترتبط بالهوية الثقافية والتاريخية لمجموعة إثنية محددة أصيلة تتميز بخصوصياتها القومية والتاريخية داخل الدولة (مثل الكردية)، ويعني الاعتراف بها إقرار الدولة بالوجود السياسي والثقافي لهذه القومية وحقها في التعليم بها وتطويرها وحمايتها من التهميش كقضية شعب وأرض.
أما اللغة الوطنية (أو الرسمية):قد تكون لغة لمجموعات عابرة مهاجرة وترتبط بالدولة ككيان إداري وسياسي موحد وتهدف إلى تسهيل إدارة المعاملات المشتركة وتحقيق الدمج الوطني العام، ولا تعبر عن خصوصية قومية للكرد في سوريا.
ولا بد هنا الإشارة إلى النموذج الروسي كشاهد على الفيدرالية الناجحة تقدم روسيا الاتحادية نموذجاً لافتاً في حل المسألة القومية، إذ تعتمد نظاماً فيدرالياً فريداً يستوعب أكثر من 190 مجموعة إثنية، مما جعل هذا التنوع مصدر قوة للدولة لا سبب ضعف لها.
لقد نجح النموذج الروسي عبر:تخصيص 22 جمهورية ذات طابع قومي تتمتع بحق صياغة دساتيرها الخاصة، واختيار برلماناتها، وإقرار قوانينها الداخلية بما لا يتعارض مع الدستور الفيدرالي.تطبيق التمييز الدستوري بمرونة عالية بين اللغة الوطنية الفيدرالية للدولة (الروسية) واللغات القومية للمكونات داخل أقاليمها وجمهورياتها.
يطرح خيار النظام الفيدرالي نفسه كأحد أكثر الحلول ملاءمة لبناء دولة سورية قوية، مستقرة، وموحدة. إن الفيدرالية لا تعني التقسيم، بل هي صيغة قانونية متطورة لتوزيع السلطة والثروة تحمي التنوع الإثني والجغرافي، وتمنح المكونات وفي مقدمتها الشعب الكردي الطمأنينة على وجوده التاريخي، وتضمن مشاركته الفعالة في حماية وصياغة مستقبل سورية الجديدة.
وأخيرا، لابد من التأكيد مجددا بأنه دون حل القضية الكردية حلا ديمقراطيا نهائيا وجذريا، سوف لن يحل الأمن والإستقرار في سوريا.