الأساليب البدائية لإخفاء الأموال المنهوبة في العراق: وجه آخر لتبديد الثروات الوطنية

عبدالحميد زيباري

 

مع توالي إعلان السلطات العراقية عن اعتقال عدد من المتورطين في قضايا الفساد المالي ـ والذين يُصنف أغلبهم ضمن الدوائر الوسيطة أو “صغار الفاسدين” مقارنة بالرؤوس الكبيرة ـ يتفاجأ الشارع العراقي يومياً بالأساليب البدائية والمثيرة للدهشة التي تُخفى بها الأموال العامة المنهوبة؛ حيث تظهر المليارات مدفونة في المزارع أو شبكات الصرف الصحي، وتُكتشف كميات من الذهب مخبأة بعناية داخل الجدران الخرسانية.

وتطرح هذه المشاهد تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة العقلية التي تدفع بهؤلاء الفاسدين إلى ابتكار وسائل بدائية لحشو كميات هائلة من الدولارات والعملة العراقية داخل عبوات بلاستيكية مخصصة للمياه أو حفظ المخللات (الطرشي).

يبدو أن هؤلاء، رغم نجاحهم في تحويل مبالغ طائلة إلى مصارف أجنبية أو شراء عقارات فارهة داخل البلاد وخارجها، لم تترك فيهم قيم المسؤولية والمواطنة أي أثر يتلمسون به معاناة الشعب العراقي المسكين، الذي يفتقر منذ عام 2003 إلى أبسط الخدمات الأساسية، فاختاروا طمس هذه الثروات تحت الأرض أو بين الجدران.

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً هنا هو: من الذي ساعد هؤلاء في عمليات الإخفاء المعقدة والبدائية في آن واحد؟ وأين هم الآن؟ ولماذا غاب الحس الوطني والرقابي لدى المحيطين بهم فلم يبلغوا السلطات؟ والأهم من ذلك، كم مواطناً شارك هؤلاء الفاسدين في طمس ثروات هي في الأصل ملك للشعب العراقي بأكمله؟

إن التساؤلات لا تقف عند حدود الماضي، بل تمتد لتنبش في حجم الأموال والمقدرات التي لا تزال مدفونة في المزارع والمجاري والشقوق الخرسانية ولم تُكتشف بعد.

كما يجرنا هذا الواقع إلى التفكير في الآثار الكارثية التي يخلّفها الفساد على القطاع النفطي والقطاعات الحيوية الأخرى في البلاد، لاسيما وأن المحافظة على أخلاقيات الوظيفة العامة ونزاهتها تُعد أحد المرتكزات الأساسية التي تبنى عليها الدول والمؤسسات الرسمية.

ويُمثّل القطاع النفطي في العراق الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني، ودوره محوري في دعم خطط التنمية وتمويل المشاريع الخدمية والاستثمارية، وبالتالي فإن تفشي الفساد والأنشطة غير القانونية في هذا القطاع الحيوي يؤدي مباشرة إلى تعطيل المشاريع الكبرى، وهدر الموارد المالية، وتقويض فرص التنمية المستدامة، مما ينعكس سلباً وبشكل تراكمي على الجوانب الاقتصادية والإدارية والاجتماعية في البلاد.

وعند إلقاء نظرة فاحصة على تلك العبوات البلاستيكية المملوءة بالأوراق النقدية، يتبادر إلى الذهن فوراً حجم الوقت والجهد الهائلين اللذين أُهدرا في لف هذه العملات وتنسيقها لتمريرها عبر فوهات العبوات الضيقة.

 من المؤكد أن هذه العملية تطلبت مشاركة أطراف عدة؛ فهل استعان هؤلاء الفاسدون بأفراد عائلاتهم من زوجات وأبناء؟ ألم يتساءل هؤلاء الشركاء يوماً عن مصدر هذه الأموال الهائلة ومآلاتها الأخلاقية والشرعية؟ وكم من الأسرار والقصص المظلمة لا تزال تخبئها خزائن وعائلات المتورطين في نهب قوت الشعب؟

ستبقى هذه الأسئلة معلقة في ذهن المواطن العراقي، بانتظار اليوم الذي تتضح فيه الصورة كاملة وتُسترد فيه الحقوق، بدلاً من بقاء الحال على ما هو عليه؛ حيث يستمر المواطن البسيط في تحمل المعاناة وتردي الأوضاع، لتصبح الخدمات العامة التي هي حق دستوري وإنساني لكل مواطن، مجرد “حسرة” يصعب نيلها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…