مسلم شيخ حسن- كوباني
إن بناء سوريا الحديثة لا يمكن أن يتحقق بمجرد تغيير السلطة أو تغيير الوجوه، بل يتطلب الأمر تحولاً جذرياً في فلسفة الحكم وإدارة الدولة، قائماً على نبذ سياسات الإقصاء والقمع، وإرساء مبادئ المواطنة المتساوية والعدالة وسيادة القانون. وإذا كان الهدف بناء دولة متقدمة ومتحضرة يعيش فيها جميع السوريين، بمختلف مكوناتهم، في أمان وسلام، فإن الخطوة الأولى نحو هذا الهدف هي تجنب تكرار ممارسات النظام المخلوع والعمل بشكل عاجل ودون تردد أو تأخير، لضمان الحقوق المشروعة لجميع المكونات السورية، ولا سيما في ظل الظروف الدقيقة التي تواجهها البلاد، والتي لم يعد بوسعها تحمل المزيد من التأخير في معالجة قضية الحقوق والحريات الأساسية.
لقد أمضى السوريون عقوداً طويلة تحت حكم حزب البعث ونظامي حافظ الأسد وبشار الأسد، وقد وُلد معظم السوريين الأحياء اليوم خلال تلك الحقبة، وعاشوا في ظل نظام سياسي احتكر السلطة، وقيد الحريات، ورسخ سياسات القمع والإقصاء والتهميش.
وخلال تلك المرحلة، عانى السوريون من الحرمان والاعتقالات التعسفية والتعذيب والفقر والانهيار الاقتصادي، على الرغم مما تمتلكه سوريا من موارد طبيعية غنية وإمكانات بشرية واعدة. ولو أُديرت الدولة وفق مبادئ الحكم الرشيد والتنمية المستدامة، لتمكنت من استثمار تلك المقومات على النحو الأمثل، ولأصبحت في مصاف الدول المتقدمة، ولحجزت لنفسها مكانة مرموقة على المستويين الإقليمي والدولي.
لا ينبغي أن تبقى هذه التجربة المريرة مجرد ذكرى من الماضي بل يجب أن تكون درساً سياسياً للحكومة الانتقالية في صياغة سياساتها للمرحلة المقبلة. فالمسؤولية الوطنية تتجاوز الحسابات الضيقة والمصالح قصيرة النظر، وتتجه نحو مشروع وطني شامل يعيد الكرامة لجميع السوريين، ويعالج تركة عقود من القمع، ويبني عقداً اجتماعياً جديداً قائماً على التعاون الحقيقي بين مختلف مكونات المجتمع السوري.
في هذا السياق، فإن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الانتقالية منذ توليها السلطة، على الرغم من أهميتها، لا ترقى إلى مستوى تطلعات الشعب السوري. علاوة على ذلك، فإن معالجة قضية الحقوق القومية للشعب الكردي عبر مراسيم وإجراءات جزئية لا تزال تثير تساؤلات مشروعة حول وجود رؤية سياسية شاملة تضمن تثبيت هذه الحقوق ضمن إطار دستوري وقانوني مستدام، يتجاوز الحلول المؤقتة أو التدابير الإدارية المحدودة. كما أن مشروع الإصلاح المقترح حتى الآن لم يقدم رؤية واضحة لمعالجة الانهيار الاقتصادي العميق، وإعادة بناء مؤسسات الدولة والشروع في مسار تنموي يحقق التعافي ويعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وقد أثبتت التجربة أن تجاهل الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أو إدارتها بمنطق الهيمنة واتخاذ القرارات الأحادية، يؤدي حتماً إلى تفاقم الأزمات وإضعاف الدولة وإرهاق المجتمع. وهذا ما حدث في العقود الماضية، عندما جرى تجاهل الإصلاحات الحقيقية، وتراكمت المشكلات حتى وصلت البلاد إلى واحدة من أعقد الأزمات في تاريخها الحديث.
لذا، فإن نجاح المرحلة الانتقالية لا يقاس بالشعارات أو الوعود، بل بقدرتها على إحداث تغيير جذري في بنية الدولة وأساليب حكمها. ويتطلب ذلك بناء مؤسسات وطنية فاعلة، وتعزيز استقلال القضاء، وإرساء سيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وضمان المساواة الكاملة لجميع المواطنين، دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو المذهب أو الانتماء السياسي.
إن الاعتراف بالحقوق المشروعة لجميع المكونات السورية، ولا سيما حقوقها القومية والثقافية والسياسية، لا ينبغي أن ينظر إليه على أنه تنازل من الدولة بل هو حق دستوري ووطني يعزز وحدة البلاد واستقرارها. فالدول القوية لا تبنى على الإقصاء بل على الشراكة، وشرعيتها لا تنبع من احتكار السلطة، بل من قدرتها على تمثيل جميع مواطنيها وصون كرامتهم وحقوقهم.
تواجه سوريا اليوم فرصة تاريخية قد لا تتكرر فإما أن تبنى دولة جديدة تقوم على العدل والمواطنة والتضامن الوطني، فتطوي صفحة الماضي وتفتح آفاقاً لمستقبل أكثر سلاماً وازدهاراً، وإما أن تعاد السياسات التي أوصلت البلاد إلى أزماتها الراهنة، بكل ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر على وحدة الدولة ومستقبل شعبها. لذا، فإن الطريق الأمثل لتحقيق الاستقرار والنهوض في سوريا يبدأ بإرساء سيادة القانون، وضمان الحقوق والحريات، وتعزيز مبدأ الشراكة الوطنية، باعتباره الأساس الحقيقي لبناء دولة حديثة وديمقراطية قادرة على تحقيق الأمن والتنمية والعدالة لجميع السوريين.
17 / 7 / 2026