مأزق البقاء بعد خامنئي: لماذا يرتعد النظام الإيراني من المقاومة المنظمة؟

نظام مير محمدي

كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

منذ تأسيسه، جعل النظام الإيراني همه الأول مواجهة ما يحيط به من أخطار وضمان بقائه في السلطة. لكن هذا الهاجس تحول في المرحلة الراهنة، ولا سيما بعد مقتل علي خامنئي وتنصيب نجله خلفاً له، إلى هوس غير مسبوق؛ إذ سخر النظام مختلف إمكاناته السياسية والأمنية والإعلامية من أجل تثبيت أركانه وإظهار تماسكه، في وقت يواجه فيه تحديات داخلية وخارجية متصاعدة تهدد مستقبله.

وقد تجاوزت هذه المساعي كل ما اعتاده الإيرانيون خلال العقود الماضية، خاصة مع ما أنفقه النظام من جهود وإمكانات ضخمة لتنظيم مراسم تشييع خامنئي في إيران والعراق، في محاولة لتقديمها بوصفها دليلاً على التفاف الشعب حوله. غير أن هذه الصورة رافقتها حقيقة مغايرة تماماً، تمثلت في تصعيد حملة القمع التي بدأت أثناء الحرب واستمرت بوتيرة أشد بعد توقيع مذكرة التفاهم، الأمر الذي كشف عن التناقض الصارخ بين خطاب النظام وممارساته.

وهكذا بدا المشهد الإيراني منقسماً إلى صورتين متعارضتين: الأولى لنظام يسعى بكل الوسائل إلى ترسيخ بقائه وإقناع الداخل والخارج بأنه ما زال متماسكاً، والثانية لشعب تتسع فيه دائرة الاحتجاج والرفض، وتتنامى فيه الأنشطة التعبوية والثورية لوحدات المقاومة في مختلف المدن، بما يعكس استمرار حالة الغليان الشعبي وعدم خضوعها لمحاولات الترهيب.

وما يزيد المشهد مفارقة أن البلاد تعيش أزمات خانقة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، من تضخم وبطالة وتراجع في مستوى المعيشة، إلى أزمة المياه والتصحر التي باتت تهدد مناطق واسعة. ومع ذلك، يواصل النظام إنفاق مبالغ طائلة على استعراضات سياسية ودعائية هدفها الإيحاء بالقوة والاستقرار، بينما يعجز عن معالجة أبسط المشكلات التي تثقل كاهل المواطنين.

وفي الوقت الذي يروج فيه النظام لوحدة صفه وتماسك مؤسساته، تتزايد مؤشرات الانقسام داخل أجنحته، وتتسع الخلافات بشأن كيفية التعامل مع الاستحقاقات المقبلة، وهو ما يعكس حجم القلق الذي يسيطر على دوائر الحكم إزاء مستقبل يزداد غموضاً وتعقيداً.

بيان الشخصيات العربية: القمع دليل الذعر لا القوة

وفي سياق هذه العزلة المتفاقمة والتخبط الداخلي، جاء بيان ١٢٠ شخصية عربية بارزة من مختلف الدول ليفضح ركائز هذه البنية المتداعية؛ حيث أكد الموقعون أن «هذا النظام، الذي يفتقر إلى أي حل اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي للاستجابة لمطالب الشعب الإيراني، يبحث عن بقائه في افتعال الأزمات، وإشعال الحروب، وتصدير الإرهاب».

وأشار البيان العربي الموسع إلى أنه «مع فشل مشاريعه الإقليمية وتراجع قوى نفوذه في المنطقة، لجأ اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تشديد القمع في الداخل، من خلال تصعيد الإعدامات والاعتقالات والضغط على المعارضين وأعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، في محاولة لمنع اتساع الاحتجاجات. غير أن هذا القمع لا يعكس قوة النظام، بل يكشف خوفه من المقاومة المنظمة ومن مجتمع يقف على حافة الانفجار». وشدد الشخصيات العربية في بيانهم على أن «لا سياسة المماشاة ولا الحرب تشكلان حلاً لأزمة إيران والمنطقة. إن الحل الحقيقي يكمن في دعم حق الشعب الإيراني في الحرية والديمقراطية، ومساندة المقاومة الإيرانية المنظمة، بما يضمن إقامة السلام والاستقرار وحسن الجوار والتعاون بين شعوب المنطقة».

رسالة مريم رجوي من روما: النظام يتداعى من الداخل

وامتداداً لهذا الحراك الدولي الداعم لإسقاط النظام، جاءت مشاركة السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المقاومة الإيرانية، في لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشيوخ والبرلمان الإيطالي يوم الخميس ١٦ يوليو/تموز ٢٠٢٦، لترسم خريطة الطريق الحاسمة للمستقبل. وأكدت السيدة رجوي في كلمتها أمام البرلمان الإيطالي أن «الاستبداد الديني يعيش اليوم مأزقاً خانقاً، ومع ذلك لم يتراجع خطوة واحدة عن استراتيجيته الشوم القائمة على سرق الشعب الإيراني، وبناء القنبلة النووية، وتصدير الحروب والإرهاب».

وكشفت رجوي عن البعد الحقيقي للمأزق الذي تلا توقيع مذكرة التفاهم لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن «المرشد الجديد للرژيم سارع إلى إبداء عدم رضاه وكتب أنه يتبنى وجهة نظر مغايرة مبدئياً»، وأوضحت أن «هذا الانقسام والخوف من التفاهم يثبتان ما قاله قائد المقاومة مسعود رجوي من أن هذا النظام لا مستقبل له ولا فرصة لبقائه دون حرب».

ودحضت السيدة رجوي الأوهام الغربية قائلة: «إن الاعتقاد بأن عدم سقوط النظام جراء الحرب يعني زيادة قوته هو وهم باطل يروج له النظام نفسه؛ فالأزمات المزمنة التي يتخبط فيها اليوم، وبشكل خاص الغضب الشعبي العارم الذي تفجر في انتفاضة يناير ٢٠٢٦، تفوق بمراحل ما كانت عليه في السابق». وأضافت أن الاقتصاد يعيش حالة سقوط حر وسط تضخم وفقر مستشريين، بينما يفتقر مجتبى خامنئي سياسياً إلى النفوذ الذي كان يتمتع به والده لكبح الخلافات الداخلية، مما يجعل النظام يترنح يوماً بعد يوم.

الحل الثالث.. إسقاط النظام بأيدي الشعب والمقاومة

وفي المحصلة، فإن كل الجهود التي يبذلها النظام لترسيخ سلطته تبدو عاجزة عن تغيير حقيقة باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى؛ فالخلاص لا يكمن في ترميم الديكتاتورية بل في اقتلاعها. وكما أكدت السيدة مريم رجوي في ختام كلمتها بالبرلمان الإيطالي: «لقد أعلنا منذ ٢٢ عاماً أن حل قضية إيران ليس الاسترضاء ولا الحرب، بل هو الحل الثالث: تغيير النظام على أيدي الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.»

إن استقرار المنطقة وأمنها المستدام يمران حتماً عبر إسقاط هذا النظام الشمولي؛ وهي المهمة التاريخية التي تقع اليوم على عاتق الشعب الإيراني، وانتفاضاته المتواصلة، وجيش التحرير الوطني.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…