التقرير السياسي لشهر تموز 2026
الإطار الإقليمي والدولي وتحولات المشهد الجيوسياسي
تواصل الإدارة الأمريكية، في سياق سياساتها المعاصرة، إعادة هندسة أولوياتها الاستراتيجية في أكثر من بقعة حول العالم، بما يؤشر إلى ميلاد ظاهرة جديدة ارتبطت باسم رئيسها “دونالد ترامب”، تقوم على كسر الأعراف الدبلوماسية التقليدية لصالح مقاربة الصفقات المباشرة. وتلقي مذكرة التفاهم لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران بظلالها الثقيلة على مجمل الأوضاع، إذ تجتهد الإدارة الأمريكية في إعادة صياغة الكثير من الملفات وترتيب الأولويات. وتخوض واشنطن في هذا الإطار حروباً غير متكافئة، تارةً بطريقة غير مباشرة عبر الوكلاء، وأخرى عبر تدخلات عسكرية مباشرة، معتمدةً في ذلك على تفوقها الاقتصادي والعسكري، مع تغليبٍ لمنطق القوة على الاعتبارات الإنسانية، ودون اكتراث يُذكر بالخسائر البشرية أو حجم الأضرار البنيوية التي تخلفها هذه السياسات.
تقع منطقتنا بشكل خاص والشرق الأوسط، في صميم هذه التحولات المضطربة، حيث لا تزال رحى المواجهة المساندة لإسرائيل ضد إيران دائرة، لتولد أزمة طاقة مباشرة في الأسواق العالمية، إذ أن ثلث إمدادات البترول والغاز تمر عبر مضيق هرمز الذي بات من صلب الحرب والصراع الراهن. في موازاة ذلك، يتصاعد التنافس الجيوسياسي المحموم بين تركيا وإسرائيل لملء الفراغ الناتج عن تراجع دور إيران، ليمتد أثره إلى ساحات سوريا ولبنان والعراق، على الرغم من المحاولات الأمريكية الرامية إلى احتوائهما عبر عروض الشراكة وتقاسم مناطق النفوذ.
وإذا كان حضور الرئيس الأمريكي في قمة الناتو الأخيرة بتركيا، إلى جانب زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا عشية القمة، ودعوة أحمد الشرع كضيف على الحلف، قد أوحت بمنح أنقرة دوراً محورياً على حساب النفوذ الأوروبي داخل الحلف وفي الميدان السوري، مقابل إسرائيل، في وقت لا يزال فيه الدور الإسرائيلي قائماً ومستهتراً بالسيادة السورية، فإن ذلك يزيد من تعقيدات المشهد الإقليمي، ولا يترك مجالاً للتفاؤل بقرب تحقيق تهدئة أو استقرار منشود. بل إن الخشية تتزايد من أن الدعم الأمريكي غير المشروط لتركيا، المتورطة في معظم ملفات المنطقة، قد يمنحها غطاءً للتمادي في سياساتها تجاه الجوار، لا سيما تجاه المكون الكردي، وهو ما تتحسس منه القوى الديمقراطية والكردستانية في المنطقة، بما ينذر بضرب قضيته العادلة في الأجزاء الأربعة.
في الشأن السوري الداخلي واستحقاقات المرحلة
تراهن السلطة القائمة في دمشق بشكل مفرط على إغراءات الخارج والوعود الإقليمية والدولية، في صورة مساعدات وقروض، فيما تُغفل بشكل لافت الأولويات الداخلية المتراكمة، وتنصرف عن استحقاقاتها الأساسية تجاه المواطن. ولئن كنا لا نقلل من أهمية استعادة موقع سوريا في المحافل الدولية بعد عزلة طويلة، أو ضرورة التخلص من تبعات الإرهاب، فإننا نؤكد أن سلم الأولويات ينبغي أن يظل منصباً، قياساً بكل المعايير، على تحسين حياة الناس اليومية وتقديم الخدمات الأساسية، خاصة في ظل معاناة نصف الشعب من النزوح والتهجير، وتحول نصف البلاد إلى أنقاض، إلى جانب الانهيار الحاد للعملة الوطنية، وتفاقم الفجوة بين معدلات الدخل وتكاليف المعيشة.
لقد كشفت الاحتجاجات الشعبية الأخيرة عن مشاهد قاسية طابَعها الفقر المدقع، وهي تعبّر عن احتقان اجتماعي واقتصادي مطلبي ومحقّ، يُلامس وجعاً شعبياً حقيقياً، ويُجسّد في الآن ذاته إرادة وطنية صامدة ترفض واقع التهميش وتطالب بحقها في حياة كريمة. وهذا الحراك المبارك، الذي يوحد السوريين خلف مطالبهم العادلة، يُشكّل لحظة فارقة في مسار بناء الدولة، ويُعبّر عن نضج الشعب السوري وقدرته على المطالبة بحقوقه سلمياً.
غير أن هذا الزخم الوطني، الذي يُعدّ رافعة أساسية للإصلاح، يضعنا أمام مسؤولية مضاعفة في التصدي لمخاطر عودة دوامة العنف والإرهاب. فالفقر الذي يعم سوريا اليوم، إلى جانب تفشي البطالة، يشكلان بيئة مشجعة يمكن للتنظيمات الإرهابية استغلالها للتسلل من خلال المعاناة إلى وجدان الناس، خاصة الشباب المهمش، في محاولة جرّ البلاد مجدداً إلى صراعات عنيفة وانفجارات تحرق ما تبقى من مرافقها.
وما جرى مؤخراً من تفجير مدان بالقرب من القصر العدلي، والذي أوقع ضحايا من بين رجال القانون والمدنيين، وتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق في تموز الجاري، هو خير دليل على رهانات هذه القوى على إفشال أي استقرار. إذ تتفاعل أحداث العنف ذات الخلفية المرتبطة بالبطالة والفقر مع جرائم ترتكب بين الفينة والأخرى بدافع المعتقد أو الطائفة أو القومية، مما يضع البلاد مرة أخرى على درب العنف المسيس والمؤدلج، وينذر بمصير مجهول، خاصة أن الحكومة المؤقتة لم تنجح حتى الآن في تحقيق الأمن والأمان المطلوبين، ولم تتجاوز الحالة الفصائلية وفوضى الاحتفاظ بالسلاح، كما أنها لم تطمئن المكونات بخطوات على الأرض سوى إطلاق عدد من الخطابات والوعود الشفاهية، دون أن تتقدم بخطط للإصلاح ومعالجة المشكلات الخدمية كترميم البنى التحتية في البلدات والمدن الكبيرة التي تحتضن ملايين السوريين.
وهنا يتجلى، بجلاء، واجب جميع السوريين بمختلف أطيافهم ومكوناتهم، في الانخراط الفاعل بمسؤولية في عملية بناء دولتهم. ولا سبيل لتحقيق ذلك إلا عبر مؤتمر وطني شامل، يكون جامعاً للكلمة، وممثلاً حقيقياً للإرادة الشعبية، ومنصة صادقة للحوار الوطني والتوافق على أسس المستقبل.
وبنفس القدر، لم تتقدم الحكومة المؤقتة على الصعيدين الإداري والسياسي بخطوات جادة، خاصة على مسار الحوار الوطني والعدالة الانتقالية. ولقد تأكد للمتابعين بطء مسار الإصلاح السياسي، إذ تجسد في إجراءات تشكيل وتعيين “مجلس الشعب” الذي غابت عنه إرادة الشعب تماماً، حيث لم تجر انتخابات تشريعية، حتى بأبسط معايير العملية الديمقراطية، بل تكفلت السلطة نفسها بتشكيل المجلس من خلال التعيينات والمحسوبية، بما فيهم النواب من المكون الكردي، ليكونوا على مقاس السلطة التنفيذية ورديفة لها، لا مراقبة على أدائها. وقد تعززت هذه المخاوف بعد عقد الجلسة الأولى للمجلس المذكور، حيث هيمنت الحسابات الفصائلية والخلفيات الأيديولوجية على عملية انتخاب رئيس المجلس ونائبيه، دون أن يعكس التنوع السياسي أو القومي المطلوب. ومن المثير للاستغراب، بل المدعاة للتسجيل، أن تدخل الجارة تركيا في تفاصيل هذه التعيينات، لتوافق عليها وتدقق فيها، متجاوزةً في ذلك كل أعراف السيادة الوطنية.
القضية الكردية ورهانات المستقبل
أصبحت اللجنة المنبثقة عن كونفرانس نيسان 2025 لتوحيد الصف الكردي مجرد إطار شكلي فقد مضمونه الفاعل، بعد أن انسحب منها الطرفان الرئيسيان، متوجهين بوفدين منفصلين إلى دمشق أو عبر الاتصال الفردي، للمشاركة في السلطة القائمة. بيد أن المخرجات التاريخية التي أفضى إليها الكونفرانس، والتي تعكس بعمق نبض الشارع الكردي وتجسد خلاصة سبعين عاماً من النضال السياسي بصيغته الرمزية والسياسية، لا تزال تشكل إرثاً نضالياً يجب حفظه في الذاكرة الجمعية، والدفاع عنه كمرجعية سياسية لا يمكن التخلي عنها.
ولن نقدم، في المقابل، على تشكيل وفود جديدة تتغنى بالسلطة أو تبحث عن مغانم أو وظائف، إيماناً راسخاً بأن القضية الكردية في سوريا هي قضية شعب وأرض ومصير، تتجاوز حدود المشاركة الحكومية، وتتجاوز حلولها مجرد المناصب إلى أسس دستورية وقانونية راسخة، وإن كنا سنتعامل بإيجابية مع كل قرار يخدم الحل، ولكننا سنظل نطالب بخطوات تنفيذية عملية وجادة للاتفاقيات والمراسيم السابقة، لا مجرد تنازلات شكلية.
ما زالت منطقة جياي كرمنج عفرين، التي تخضع لإدارة دمشق، تشكّل واحدة من أهم المحطات العملية لاختبار نوايا السلطة ومدى قدرتها على تجاوز الخطاب إلى الفعل. فمن المفترض أن تكون هذه المنطقة منصة جادّة لتنفيذ التزامات الحكومة، عبر تفعيل المرسوم 13، بوصفه مدخلاً لإنهاء تداعيات الاحتلال، ومعالجة ملف الاستيطان، وضمان عودة المهجرين إلى ديارهم، إضافة إلى تعيين المدراء والمسؤولين وقوى الأمن من أبناء المنطقة، وتوفير فرص التعلم والتدريس باللغة الكردية. وبينما تُعدّ عودة أعداد كبيرة من المهجرين إلى عفرين مؤخراً خطوة إيجابية، إلا أنها لا ينبغي أن تحجب النظر عن الممارسات الإدارية المثيرة للريبة، التي يمكن رصدها على الأرض، والتي تهدف إلى فصل عفرين ثقافياً وإدارياً عن شقيقاتها كوباني والجزيرة، في محاولة لتفكيك التماسك الاجتماعي للمكون الكردي.
وفي سياق متصل، يبرز ملف مهجري سري كانيه وكري سبي كامتداد طبيعي لهذا الاختبار، فمعالجة أوضاع هؤلاء المهجرين، وضمان عودتهم الكريمة والآمنة إلى ديارهم، واستعادة ممتلكاتهم وتعويضهم عن سنوات المعاناة، ليست مجرد التزامات إنسانية وقانونية، بل هي محكّ أساسي لقياس مدى التزام السلطة باحترام حقوق جميع مكونات الشعب السوري، وقدرتها على الانتقال من منطق الخطابات الإنشائية إلى سياسات عملية ملموسة. إن أي تسويف أو تجاهل لهذا الملف، أو التعامل معه بانتقائية أو تباطؤ، لن يكون سوى دليل إضافي على استمرار الفجوة بين الكلام السياسي والالتزامات الفعلية، وإشارة إلى أن مقاربة السلطة للملف الكردي لا تزال محكومة بنظرة أمنية ضيقة، بعيدة عن روح المشاركة الوطنية والمواطنة المتساوية.
ويظل حزبنا متمسكاً بمطلبه الحيوي في الوحدة الإدارية والسياسية للمناطق الكردية الثلاث، إذ يشكل هذا المطلب الضمانة الأكيدة لاستمرارية التواصل الثقافي والاجتماعي بين كرد المناطق الثلاث، ويصون الهوية من الذوبان، ويحول دون أي مشاريع إقليمية أو مناطقية تهدف إلى تجزئة القضية وتجريدها من جوهرها الوطني. ونؤكد على ضرورة ترجمة هذا المطلب إلى خطوات عملية على أرض الواقع، فهو مطلب وجودي لا يقبل المساومات أو الحلول الناقصة.
في الختام
من المهم إدراك أن سوريا تمر بلحظة تاريخية دقيقة، تستوجب وعياً استثنائياً وجرأة في المواقف، بعيداً عن المزايدات. المطلوب اليوم بناء دولة القانون والمؤسسات القائمة على المواطنة المتساوية، لا على الفئوية والمحسوبية. ولا سبيل إلى ذلك دون مؤتمر وطني جامع يعيد الاعتبار للإرادة الشعبية، ويُؤسس لشراكة حقيقية.
وفي صميم هذا المسار، تبرز ضرورة عدم الفصل بين الملفات؛ فالاستقرار السياسي مرتبط بمعالجة الانهيار الاقتصادي، ومكافحة الإرهاب مرتبطة بتجفيف منابعه الاجتماعية، وقضية المكونات لا تُحل بوعود عابرة بل باعتراف دستوري واضح بالحقوق القومية، يُرسخ الثقة ويقطع الطريق أمام مشاريع التفتيت، ويضمن لسوريا مستقبلاً يسوده العدل والكرامة.
اللجنة السياسية
لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا
14/7/2026