نحو مراجعة جذرية للوضع الكردي في سوريا

د. عبدالحكيم بشار
تمر الحركة السياسية الكردية في سوريا اليوم بواحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا. ولم يعد من الممكن تجاهل حقيقة أن هذا الواقع هو نتاج تراكمات طويلة من الأخطاء والإخفاقات، الأمر الذي يستدعي وقفة مراجعة صريحة وشجاعة، بعيدًا عن المجاملات أو محاولات تبرير الفشل.
لا يتعلق الأمر بالتشكيك في تاريخ الحركة أو إنكار ما قدمته من تضحيات وإنجازات، فلكل مرحلة ظروفها ورجالها. لكن التاريخ، مهما كان مشرفًا، لا يمنح أي حزب أو قيادة حصانة من النقد أو يعفيها من مسؤولية التجديد. فالعمل السياسي الذي لا يراجع نفسه باستمرار يفقد قدرته على التطور، ويبتعد تدريجيًا عن نبض المجتمع.
لقد وصلت غالبية الأحزاب الكردية إلى حالة من الجمود التنظيمي والفكري، وأصبحت تدور في حلقة مغلقة، تعيد إنتاج الأدوات والخطابات والآليات ذاتها، بينما تتغير البيئة السياسية والاجتماعية بوتيرة متسارعة. والنتيجة كانت اتساع الفجوة بينها وبين المجتمع، وخاصة فئة الشباب، وتراجع الثقة بقدرتها على قيادة مشروع وطني جامع.
إن عقد المؤتمرات الحزبية أو إجراء تغييرات محدودة في القيادات لم يعد كافيًا لمعالجة أزمة بهذا الحجم، لأن المشكلة ليست في الأشخاص بقدر ما هي في طبيعة التفكير السياسي، وآليات اتخاذ القرار، وغياب الرؤية الاستراتيجية، وضعف العمل المؤسسي.
من هنا، فإن الحاجة اليوم ليست إلى إعادة ترتيب المشهد الحزبي فحسب، بل إلى إطلاق عملية مراجعة وطنية شاملة، يشارك فيها أصحاب الخبرة والكفاءة والاستقلالية الفكرية، بعيدًا عن الاستقطابات والانقسامات التقليدية.
وأقترح أن تبدأ هذه العملية بتنظيم ورش عمل وحلقات نقاش في جميع المناطق الكردية، وفي بلدان المهجر، تضم مثقفين وأكاديميين وخبراء وشخصيات عامة مستقلة، إلى جانب الشباب والشابات، باعتبارهم الفئة الأكثر قدرة على تقديم رؤى جديدة للمستقبل.
ينبغي أن تناقش هذه الورش بجرأة أسباب تعثر الحركة السياسية الكردية، وعوامل ضعفها وتشتتها، وغياب المشروع الوطني الجامع، وأسباب تراجع ثقة الشارع بها، إضافة إلى بحث السبل الكفيلة ببناء مؤسسات سياسية حديثة، تقوم على الديمقراطية الداخلية، والشفافية، والكفاءة، وتداول المسؤولية.
وتختتم كل ورشة بتوصيات عملية، مع اختيار منسق يمثلها، ثم تُعقد ورشة مركزية تضم جميع المنسقين لصياغة وثيقة وطنية شاملة، تتضمن رؤية مستقبلية وخارطة طريق قابلة للتنفيذ، بعيدًا عن الخطابات الإنشائية والشعارات التي استُهلكت على مدى عقود.
إن نجاح أي مبادرة من هذا النوع يتطلب أن يكون معيار المشاركة هو الكفاءة والنزاهة والاستقلالية، لا الانتماء الحزبي، وأن يحظى الشباب والنساء بدور حقيقي في صناعة القرار، لا بحضور شكلي أو رمزي.
إن المراجعة ليست اعترافًا بالهزيمة، بل هي دليل على النضج السياسي. أما الإصرار على تكرار الأساليب ذاتها وانتظار نتائج مختلفة، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وإهدار المزيد من الوقت والفرص.
لقد آن الأوان لأن ننتقل من ثقافة الدفاع عن الواقع إلى ثقافة تغييره، ومن إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل، ومن الولاءات الضيقة إلى مشروع وطني كردي جامع، يستمد قوته من المجتمع، ويعبر عن تطلعاته، ويكون قادرًا على مواجهة تحديات المرحلة بعقلية جديدة وأدوات أكثر فاعلية.

إن النقد الصادق ليس استهدافًا لأحد، بل هو دعوة إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفتح باب حوار مسؤول حول مستقبل القضية الكردية، لأن الشعوب التي تمتلك شجاعة المراجعة هي وحدها القادرة على صناعة مستقبل أفضل

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   على امتداد أكثر من أربعة عقود، جرب المجتمع الدولي مختلف السبل في التعامل مع النظام الإيراني، من الحوار إلى المفاوضات، ومن العقوبات إلى الضغوط السياسية، ولكنه لم ينجح في الوصول إلى حل جذري يضع حداً للأزمة التي باتت تلقي بظلالها على أمن المنطقة واستقرارها. والأسوأ من ذلك أن…

م. أحمد زيبار بعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من تقسيم للمنطقة وتجزئة كردستان، أصبح جزء من الشعب الكردي ضمن الدولة السورية الحديثة، التي مضى على قيامها أكثر من قرن. ومع مرور السنوات، وبفعل سياسات التهميش والتمييز وغياب الإنصاف تجاه الكرد، تبلورت لديهم قضية قومية وحقوقية، وبدأت معها محاولات تنظيم الصفوف والدفاع عن حقوقهم المشروعة. وفي عام 1957،…

صلاح بدرالدين صدر عن دار نشر – نينوى – بدمشق الأجزاء الاحدى عشرة من مذكراتي تحت عنوان ” الحركة الوطنية الكردية السورية ” إضافة الى كتاب ” الكرد في الثورة السورية ” . وبهذا الإصدار الجديد ستبلغ مؤلفاتي – ٢٩ – كتابا منذ عام ١٩٧٤ وحتى الان أي في غضون خمسين عاما ، بمعدل كتاب كل عامين ، وفي مايلي…

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…